رواية التّوقّعات لـ “هدى عيد”: إضاءة على الفساد واستشراف المستقبل السّوداويّ/ د. رفاه دياب | شبكة ZNN الإخبارية
مقالات

رواية التّوقّعات لـ “هدى عيد”: إضاءة على الفساد واستشراف المستقبل السّوداويّ/ د. رفاه دياب

رواية التّوقّعات لـ “هدى عيد”: إضاءة على الفساد واستشراف المستقبل السّوداويّ/ د. رفاه دياب

تطلعنا الرّوائيَّة اللّبنانيَّة “هدى عيد”، في روايتها “سلطان وبغايا”، على صورة الانحلال الأخلاقيّ والفساد السياسيّ في المجتمع اللّبنانيّ، وقد اختارت لهذا التمثيل شخصيّةً سرديّةً تختزن كلّ أنواع التّعقيد والانزياح في صفاتها وتناقضاتها، فتكشف الوجه الآخر المتخفيّ، وتفضح المستور، وتُدهشنا باعترافاتها وتوقّعاتها؛ فنشعر بأنّنا نتفحصّ أخبارنا اليوميّة. كُتِبت الرّواية في العام 2016، ولكنّها تحاكي عامنا هذا (الموادّ المتفجّرة في مرفأ بيروت، السّياسات المصرفيّة العجفاء، الطحين المغشوش، ملفّات الفساد، تجّار البشر والدولار وغيرها من القضايا الشائكة الّتي يعانيها الشّعب اللبنانيّ).

فالروائيّة تدقّ، من خلال روايتها، ناقوسَ الخطر في سردٍ فريدٍ من نوعه تعتمد فيه تقنيّاتٍ جديدةً بعيدةً من الاستهلاك والتكرار. وعلى الرّغم من أنّ الرواية صورة انعكاسيّة عن واقع مأزوم لا جديد فيه إلاّ التمادي واتساع رقعة التخبّط داخل السّلطة الحاكمة، فإنَّها كُتِبت لتُنبّه الشعب إلى خطورة المرحلة القادمة.

الشّخصيّة الرّئيسة في الرواية تدعى “سلطان”، وهي تمثّل رجال السياسة الفاسدين بمكرهم وخداعهم وحتّى في تخفّيهم الّذي صُوّر في الرواية اختفاءً وضياعًا نتيجة إصابتها بداء الألزهايمر، وهذا الاختفاء هو الهرب المقنّع المستتر الذي يبيّن تنحّي رجال السلطة وابتعادهم من مواقع جريمتهم تاركين وراءهم الأشلاء والأجساد المنهكة والأرواح التائهة المعذّبة تندب جراحاتها التي حفرت في أخاديد أيّامها على مساحة الوطن كلّه.

تبرز صورةُ القهر جليّة في الرواية، ويعلو فيها صوت الفئة الأكثر اضطهادًا وقهرًا على مرّ التاريخ؛ والحديث هنا عن العنصر النّسويّ الّذي يلقى دائمًا أنواعًا شتّى من التعذيب والتعنيف. وفي هذا الإطار سلّطت الرواية الضوء المُعلن على هذا الظلم المتكرّر مُحاوِلةً تعقّب الأسباب والنتائج من أجل الوصول إلى حلولٍ تعيد بناء صورة المرأة المتشظيّة المكسورة الّتي تلملم أشلاءها، وتُحاول النهوض وهي تعضُّ على جراحاتها لتعيش حياة شبه هانئة: “العالم لن يجد السلام قبل أن تركع النساء على أقدام الرجال يطلبن الغفران”(ص:161). وقد باحت الروائيّة بقضيّة الذكورة في كره الفتاة وفق تمثُّلها في ذهن سلطان، وفي عدم تقبّلها نتيجة التَّمسّك بقرارات الجاهلية في وأد البنات.

تختزن الرواية الكثير من الدّلالات: دلالات الأسماء والأمكنة المتنوّعة بين العراقة والفساد والأزمنة المتكسّرة الّتي تحيلنا على أحداث سابقة على الزمن الحاضر (حاضر السّرد)؛ والمؤشّرات اللسانيّة الدّالّة على هذا السّرد الاسترجاعيّ هي صيغة الأفعال الماضية التّي نقلت الماضي الذّي عاشه سلطان، والَّذي أصبح في غياهب النسيان. إلاّ أنّ فقدان الذاكرة الفرديّة في الرّواية جعل الشخصيّات تتحدّث عن أفعال “سلطان” الّتي سُجّلت في تقارير مُثبتة وحفظت انتهاكاته وممارساته الخاطئة في الذاكرة المجتمعيّة.

لم تعتمد “هدى عيد”، في روايتها، النّمطَ السَّرديَّ السائد، بل اعتمدت طريقةً مبتكرةً تعوّل على القصّ التّعقّبيّ، وهو الوصف الأكثر ملاءمةً لحادثة اختفاء الشّخصيّة الرئيسة الخارقة بسيرتها المشبعة بصفاتٍ سرديّةٍ معقدّةٍ تحتاج إلى تحليلٍ وعودةٍ إلى الماضي الذي أرهقها، وسبّب لها هذه النقمة على الذّات والآخر؛ “فسلطان” فَتِيَ وشَبَّ على الغدر أي خيانة أمّه أباه؛ وهذه الخيانة الموجعة حُفرت في ذاكرته وولدّت نقمةً على كلّ النساء اللواتي عاشرهنّ، إلاّ واحدة وثق بها فأعادته إلى ما قبل الطفولة وأشعرته بالطّمأنينة والأمان، غير أنّ تدخّل الرّوائيّة في مسار السّرد جعل الشخصيّة تموت في رحم الأرض التي توهّم أنّها ستحميه من ذكرياته الصّارخة.

وبينما غيَّبت الروائيّة صوتَ “زهيّة” ابنة أخ سلطان، علا صوت الشخصيّات الأخرى المشاركة في آثام عمّها، وهذا يعود إلى التّقنيّة الفنّيّة العالية الّتي أمسكت “عيد” بأطرافها وأبحرت في غمارها لتعلن عن بدء الاستماع إلى سلسلةٍ من الجرائم وأسماء الضّحايا (البغايا) في وثائقيّ تستمع إليه “زهيّة” (الشخصيّة البارزة) ويشارك القارئ في الحكم عليه. فهذه الشخصيّة أدَّت دور المحقّق بصوتٍ خافتٍ توهّج في أثناء السّرد من خلال نقد القارئ المتتبّع لمسار الأحداث؛ فكان الحوار هو ركيزة السّرد داخل الرّواية، ولكنّه كان حوارًا عقيمًا يفتقر إلى التّشارك والتّبادل والصّوت الآخر، فأتى حوارًا موجَّهًا يعبّر عن مضمونٍ هادفٍ.

وتعكس الرّواية تعدّديّةً حضاريّةً وتعدّديّةً فكريّةً – ثقافيّةً؛ وقد تمثّلت التَّعدُّديّة الأولى في نقل معالم التاريخ والإعجاب بحضارة الأمم الأخرى، وهذا الوصف أتى على لسان الشّخصيّات الّتي التقتها “زهيّة” بعد حادثة اختفاء عمّها (الملياردير الشهير)، فاحتشدت أسماء البلاد والفنادق والذكريات الجمّة العابقة بتأثير المكان في أذهان الشخصيّات مثل “كندا واستنبول” وغيرها من البلاد التي أتت الرّوايةُ على ذكرها، لتُبيّن انبهار الشّخصيّات بتاريخ الأمم الّتي تضجّ بعبق العراقة والأصالة بسبب افتقادها تاريخًا يُعْتَدّ به: “الجماعة في تلك البلاد يحافظون على تاريخهم ونحن مختصّون بتدمير كلّ ما يؤرّخ لإنجازٍ في حياتنا” (ص:49). أمّا التّعدّديَّة الثانية فتمثّلت في طرح قضيّة المثقّف الذّي يعاني تضييقًا وتشويهًا للعلم، وهذا الأمر ظهر من خلال شخصيّات أنثوية عانت ظلمَ “سلطان” نتيجة سيطرته عليها وحرمانها حقوقَها في إكمال دراستها. وهذه الفئات عانت مشكلةَ التّضييق على آرائها وأفكارها؛ فالسّيطرة على النّساء الرائدات المثقّفات في الرواية لم تكن سيطرةً جسديّةً (جنسيّةً) بحتةً كما مُثّلت في المشاهد الروائيّة، بل كانت سيطرةً فكريّةً بدأت بانتهاك الجسد وصولًا إلى الهيمنة على المستقبل والمصير. فالتّعدديّة الثّقافيّة ظهرت في الرّواية وعكست صورة المجتمع الّذي يحيط بالأفراد، مُبيّنةً تأثُّر الأفراد بمحيطهم الاجتماعيّ الذّي تتنتج منه منظومة قيميّة تتألّف من السلوك والفكر، ومن النظرة الشموليّة إلى العالم. فالانغماس في مادّيّات الجسد والمجتمع لم يكن قررًا فرديًّا أو رغبة شهوانيّة، بل كان خضوعًا للسّلطة الّتي مثلّها “سلطان” بكلّ قبحها وفجورها.

انتهت الرّواية بالوصف، فعُطِّل زمن السّرد وإيقاعه من خلال الوقفة ((pause الّتي علّقت الزّمن من خلال مقطعٍ دقيقٍ تضمّن كلّ مقوّمات الوقفة الوصفيّة من غير إحداث فجوةٍ أو اختلالٍ في النّظام الزمنيّ للرواية؛ ولكنّها أدهشت القارئ بهذه الخاتمة المفاجئة من حيث التقنيّة المستخدمة، ومن حيث النهاية اللّامتوقَّعة. فبينما عكس الوصفُ في المقاطع السرديّة الأخرى تعدديّةً حضاريّةً وانبهارًا بالثّقافات الأخرى نظرًا إلى الشّعور بالدّونيّة والتّقصير عن اللّحاق بركب الحضارة الّتي عمّقت هذا الإحساس بالتّخلّف والتّقوقع، جاء الوصف الأخير (وصف الطّبيعة الرّيفيّة) وصفًا دالًا، فكان مرآةً عاكسةً لشخصيّة سلطان الذّي لجأ في ضعفه إلى مكانٍ غير متناهٍ، وهو بحسب التّصنيفات التّقاطبيّة للأمكنة مكانٌ لا يخضع لسلطة أحد، ويكون بصفةٍ عامّةٍ خاليًا من النّاس، ومتحرّرًا من الدّولة وسلطتها فلا تستطيع أن تمارس قهرها، وبذلك تصبح أسطوريّةً نائيةً (ص:190). والمفارقة التي أحدثها السّرد هي أنّ سلطانًا لقيَ حتفه في المكان الذي حسبه أمانا ظنًّا منه أنّ شبح الموت الذي هرب منه لن يلاحقه في أقاصي الأرض، فمات بقرصات النّحل التي تشبه الثّورة الغاضبة ضدّ سلطان جائر. وقد دُوّنت نهايته في مقطعٍ مسجّلٍ حصد أعلى نسبة مشاهدة على قناة اليوتيوب، فلم تسعفه أمواله ولا ألقابه الكثيرة (الملياردير اللّبنانيّ- الشّهير سلطان- سيّد الدّولار- الشّيطان- الشّهير سلطان وغيرها من الألقاب الرّامية) في مواجهة النّحل الثّائر الّذي يلقى حتفه أيضًا بعد لسعته للبشر.

فقد أبدعت “عيد” في روايتها التي تتألّف من 203 صفحات في الغوص في أعماق الشّخصيّات الّتي تحمل تعقيدًا سرديًّا من خلال بطلها “سلطان” الّذي سيطر على مساحة السّرد، على الرّغم من غياب صوته المباشر، وبانت صفاته من خلال عمليّتي التّقصّي والبحث اللّتين تبنّتهما زهيّة ممثلّة الشعب الباحث عن الحقيقة والعدالة، وعن الذاكرة الجماعيّة التي تُغيّب من أجل طمس الحقائق، وأظهرت الروائية عمق ثقافتها وأسلوبها الأدبيّ الفريد في رحلةٍ سرديّةٍ ممتعةٍ ومؤلمةٍ في آنٍ معًا.

المصدر : Aleph Lam

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى