الملحمة الفلسطينية:رؤيتان ورهانان | شبكة ZNN الإخبارية
خاص | ZNN

الملحمة الفلسطينية:رؤيتان ورهانان

معن بشور./ خاص شبكة ZNN الإخبارية.

على امتداد التاريخ البشري، وخصوصاً على امتداد تاريخ الصراع بين أمتنا والطامعين في السيطرة عليها، ومصادرة إرادتها، ونهب ثرواتها، كنا نشهد رؤيتين متناقضتين.
رؤية ترى في التفوق المادي والعسكري والتقني للعدو قدراً لا يمكن مواجهته فتشّيع اليأس بين أبناء الشعوب المتضررة، وترّوج للإستسلام باعتباره الطريق الوحيد للعيش الرغيد
ورؤية أخرى معاكسة ترى في إرادة الشعوب قوة لا تقهر، بل ترى أن موازين الإرادات هي صاحبة القول الفصل في الصراع مع موازين القوى، لأنها تدرك أنها في غياب الإرادة فأن القوة نفسها تتآكل وتذوب وتذوي.. ومن هنا فأن أصحاب هذه الرؤية يتبنون المقاومة كخيار ونهج وثقافة، ويسعون إلى بث روح الأمل في شعوبهم ويدركون أن النصر آت مهما طال الزمن..
وفي ضوء الرؤيتين المتناقضتين، يبرز رهانان متناقضان أيضا، رهان على قوة العدو الذي لا يقهر، فيعمد لعقد صفقات استسلام وتطبيع مع هذا العدو، وعلى نشر ثقافة الهزيمة التي هي بحدّ ذاتها هزيمة ثقافية، كما هي هزيمة في كل مجال..
أما الرهان المبني على الرؤية الثانية فهو رهان على الشعوب وإدراك أن جيلاً قد يتعب، وأن قيادات قد تترهل، وأن حركات قد تضمر، لكن الشعب لا يتعب أبداً، والأجيال تنمو ليبرز جبل أقوى وأكثر ثباتاً، وأن المقاومة لا تموت أبداً ما دام هناك احتلال يقهر الناس ويدنّس المقدسات ويسلب الموارد ويدمر الطاقات.
المراهنون على قوة العدو لا يهادنونه فقط، ولا يساومونه على حقوقهم غير القابلة للتصرف فحسب، بل سرعان ما يتحولون إلى قوة في صفه، فيخوضون الحروب إلى جانبه ضد شعوبهم، ويسهمون بزرع الفتن في أوطانهم خدمة لمصالحه، ويتحولون إلى أدوات قذرة في مخططاته البشعة..
أما المراهنون على إرادة الشعوب، فهم لا يلجأون إلى المقاومة فحسب، بل يدركون أنهم بمواجهتهم ومقاومتهم إنما يوسعون المواجهة معه لتدخل أراضٍ جديدة، وتجمعات لا يخطر للعدو أنها ستنضم يوما إلى مقاومته.
هذا الصراع بين رؤيتين، وبين رهانين، هو ما نراه أمامنا اليوم في الملحمة الفلسطينية الرائعة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية كلها من البحر إلى النهر، ومن رأس الناقورة إلى أم الرشراش.. فينكشف فيها هذالة رؤية المتخاذلين، وهوان رهان المستسلمين، كما تتضح فيه سلامة رؤية المقاومين وقوة عزيمة الرافضين للاحتلال ومخرجاته في الذل والهوان..
لا بل في الملحمة الفلسطينية الجارية على أرض فلسطين اليوم يتسع ميدان المواجهة ليشمل الأمة العربية بكاملها من المحيط إلى الخليج، بل إلى العالم الإسلامي برُمته من جاكارتا إلى طنجة، وكذلك العالم بقاراته الخمس..
فالعرب والمسلمون يجدون في هذه الملحمة ما يعيد لهم الثقة بأنفسهم وقدرتهم بعد عقود من الحروب والفتن والإنهاك المستمر والتشتيت المجتمعي، بل من الإذلال لكرامتهم، والتدنيس لمقدساتهم، فيتحركون في شوارعهم ليعلنوا أن فلسطين هي وطن كل شعب منهم، وأن القدس عاصمة كل بلد من بلدانهم، وأن الدم الفلسطيني المُراق هو دم كل واحد منهم.. ويشعر العدو تهاوي كل إنجازاته “التطبيعية” مع بعض الحكومات العربية أمام إرادة كافة الشعوب العربية والإسلامية التي اذا لم تنجح اليوم في إجبار تلك الحكومات على إلغاء اتفاقيات التطبيع، فإنها قد نجحت في تجويف هياكل هذا التطبيع وفي محاصرة مخططاته وأحلامه بالتوسع والانتشار.
أما العالم الذي تمتلأ شوارع عواصمه ومدنه بتظاهرات التضامن مع الحق الفلسطيني، والتنديد بالجرائم الصهيونية، فقد بات يدرك في قاراته الخمس أن “العدالة لفلسطين” هي عدالة للعالم كله، وان الحرية لفلسطين هي حرية للبشرية كلها، وأن سقوط العنصرية الصهيونية هو إسقاط آخر قلاع العنصرية الإرهابية في العالم.
في ملحمة فلسطين اليوم لا تنتصر العين الفلسطينية على المخرز الصهيوني فحسب، بل ستنتصر مهما كانت النتائج، رؤية على أخرى ورهان على آخر..
أما العدو الذي قاده طغيانه وغروره وعنجهيته إلى التوغل في جرائمه ومجازره وحرب إبادته، فسيدرك معنى الآية الكريمة: “ويمدهم في طغيانهم يعمهون” صدق الله العظيم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى