مقالات

أزمة الفكر اليساري في الوطن العربي

أزمة الفكر اليساري في الوطن العربي

انتشر الفكر الماركسي واليساري في المنطقة العربية، منذ عشرينات القرن الـ20، لكنها كفكرة، انتشرت في صفوف المثقفين العرب، بشكل واسع في الستينات والسبعينات من القرن الـ20، الذين تأثروا بالشعارات والأفكار التي عمت العالم في تلك العقود، الداعية إلى التحرر والحرية والمساواة والديمقراطية ، والعدالة الاجتماعية .
ثم انخرط المثقفون الماركسيون في صفوف أحزاب وتيارات ماركسية، ورددوا ما كتبه ماركس وأنجلز ولينين، والكثير منهم تأثر بتجربة وأفكار ماوتسي تونغ وجيفارا ورفعوا الرايات الحمراء.

في تلك الحقبة كانت الماركسية حكراً على الطبقات المتعلمة والمثقفة في المجتمع، ولم تتمكن هذه الطبقات من نشر هذه التجربة الخلاقة بين صفوف العمال والفلاحين والفقراء والمهمشين، وكانت قدرة المثقفين مقتصرة على ترديد الشعارات التي كانت تستفز وتستنهض البسطاء من أبناء الشعب الذين انطلقت الأحزاب اليسارية في الأساس للدفاع عن حقوقهم .
في السياق الواقعي، استطاع الماركسيون العرب، قراءة الماركسية، ورفع شعاراتها، لكنهم لم يتمكنوا من قراءة الواقع العربي، واقع الفقراء والبسطاء والفلاحيين والعمال، ولم يتمكنوا بشكل علمي دقيق من تحليل التركيبة الطبقية في الوطن العربي، وتحول اليساريون إلى نُخب تتقن فن السرد والخطابة وترديد أفكار ماركس وأنجلز ولينين وحتى ماوتسي تونغ، لكنها لم تتمكن من تحليل وتشريح الواقع العربي، وبالتالي افتقرت هذه النُخب للقدرة على تحديد أدوات نضالها وبرنامج ثورتها من أجل التغيير، ولم تتمكن من تحقيق وحدتها وتحديد برنامجها وتحالفاتها، وبالنتيجة هُزمت الأحزاب الشيوعية واليسارية عامة ، وتعرض الفكر اليساري لإنتكاسة عميقة، حدت من مقدرة الفكر اليساري والماركسي على قيادة جماهيرها الفقيرة والمهمشة والمنهوبة، ولم تتمكن من أن تكون قوى طليعية في ميادين الصراع التحرري والطبقي، وتراجع دورها إلى الخلف وإلى ما وراء أحزاب وأنظمة سياسية حتى تلك الغارقة بالطائفية والفساد .
من هنا، لابد من التذكير بأن هدف الماركسية هو تفسير الواقع والعمل من أجل تغييره، وأن أهدافها ليس السرد وإعطاء التفسيرات للظروف الواقعية فقط، وليس أهدافها تردد ما قاله ماركس وآنجلز ولينين كالببغاوات، بل هدف الماركسية أيضا هو تحقيق التغيير الثوري، الذي يعبر عن أهداف الطبقات العاملة والفقيرة والمسلوبة، لذلك فإن الأحزاب اليسارية، معنية بالواقع استنادا للنظرية، ومعنية بالواقع القائم عناية كبيرة، ومعنية بتفسيره وتحديد أدوات النضال والثورة من أجل تغييره، لأن عملية التغيير الثوري لواقع مزري، تتعلق بزمان ومكان محددين وفي ظروف محددة وقضايا ملموسة، بل هي عملية تحليل الظروف الواقعية والعمل من أجل تغييرها، إلى واقع أفضل لمصلحة الشعوب، لأن منطق التمسك بالشعارات والجمل الطنانة والنصوص الجاهزة، هو منطق خيالي يعبر عن العجز وعدم القدرة على الابتكار والتطور.
ومن هنا تكمن أهمية دور الفلسفة، لأن هدف الفلسفة والتأريخ وعلم الاجتماع والسياسة، هو خدمة عملية التغيير دائما، وبالتالي فإن القضية الاساسية دائما هي كيف تخدم حقول العلم المختلفة قضية تطور الإنسان وثورته وقضاياه الوطنية والانسانية.
من الواضح أن الفكر الشيوعي والأفكار اليسارية في المنطقة العربية، أصيبت بالترهل وتعرضت لانتكاسة قاسية، لكنها لم تنته ولم تمت، والقضية المطروحة على العرب اليوم، هي أي خط نريد وأي منهج، منهج الشعارات والجمل الطنانة والخطابات الرنانة أم منهج التحليل العلمي والتحديد والتقييم والابداع على أرض الواقع .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى