دراسات وابحاث

“آفاق ومخاطر سير الجيش اللبناني في سياق ونهج الجيوش العربية التي دعمت الثورات”

“آفاق ومخاطر سير الجيش اللبناني في سياق ونهج الجيوش العربية التي دعمت الثورات”: في ندوة لملتقى حوار وعطاء بلا حدود

     في إطار متابعته الحثيثة لآخر  المستجدات السياسية  والاقتصادية والمالية والمعيشية على الساحة اللبنانية وتطوّر واقع التحرّكات الشعبية ونتائج أنشطتها اعتباراً من ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، وشعوراً من ملتقى حوار وعطاء بلا حدود بالمسؤولية تجاه استشراق مستقبل هذه الانتفاضة والسعي لإنضاج ثمارها، ومُتابعة ما آلت إليه المطالب الاجتماعية المُحقّة التي انطلق منها غضب المقهورين ودعوتهم لسقوط الطبقة الحاكمة ومحاكمة الفاسدين ممّن تولّوا السلطة طوال ثلاثة عقود وأدّى نهجهم إلى نهب الخزينة وإفلاس الدولة وانهيار ماليتها ومصادرة أموال المودعين لدى المصارف، رأى الملتقى عقد ندوة يشارك فيها خيرة الخبراء العرب واللبنانيين ممّن تابعوا الثورات التي أشعلت ساحات العالم العربي، وذلك لبحث أوجه الشبه والإختلاف بين ظروف ما حصل فيها، وما آلت إليه.  والى إلقاء الضوء على دور القوى العسكرية، ومنها الجيش اللبناني،  في ضمان حق الشعوب بالتعبير، وبالعيش الكريم وفي نفس الوقت الحفاظ على أمن المجتمع والدولة، دون الإخلال بالتوازنات وعدم تجاوز الخطوط الحمر، وتوفير الحماية للكيان والوطن وصون الأرض والحدود.
 أدار الندوة الإعلامي الدكتور سامي كليب الذي كانت له مُقدمة هامة حول حيثيات وابعاد انعقاد هذا اللقاء وقد تخلّلتها  المداخلات التالية :

١-الدكتور.طلال حمود الذي القى كلمة ملتقى حوار وعطاء بلا حدود الدكتور يونس أبو أيوب (من المغرب) باحث ومسؤول دولي التي تناول موضوع اي دور لعبته الجيوش العربية في إنجاح ثورات تونس ومصر والسودان، وهل من خلال معايشته عن قرب للوضعين اللبناني والأميركي، يمكن أن ينطبق الأمر على لبنان اذا ما دعمت اي جهة خارجية الجيش اللبناني؟
٢-الدكتور ماجد نعمة (فرنسي-سوري) وهو كاتب وباحث مُتخصّص بدول المغرب العربي وشمال افريقيا والذي تحدّث عن : الجيش والثورة في الجزائر وليبيا، وما هي الفروقات الجوهرية مع ما حدث في سوريا ودور الجيش فيها ؟
٣-الدكتور د. احمد بن سعادة (جزائري- كندي) باحث مُتخصّص بخفايا الثورات العربية: الوجه الآخر للثورات العربية…لجهة الاختراقات والتمويل الخارجي ..وهل هذا يؤثّر على عقيدة الجيوش العربية …مثلا الجزائر وسورية.
٤- الأستاذ أمين قمّورية ( لبنان) كاتب واعلامي متخصص بالشؤون العربية والدولية الذي كانت مداخلته تحت عنوان : خصوصية الجيش اللبناني حيال القوى المُهيمنة داخلياً والقوى الداعمة له خارجياً، وهل لديه القدرة فعلياً على دعم ثورة في الشارع ام ان تركيبته لا تسمح له بهذا الدور ؟
٥- العميد الدكتور محمد عباس الذي جاءت مداخلته حول الدور السياسي المُمكن للجيش وظروف وواقع هذا الجيش وتعقيباً على مداخلة الأستاذ قمّورية.

كليب:
الإعلامي د سلمي كليب بدأ موضحاً أنه ومنذ منتصف القرن الماضي حكم قادة عسكريون جزءًا كبيراً من الوطن العربي/ جمال عبد الناصر ، هواري بومدين ، حافظ الأسد ، معمر القذافي علي عبدالله صالح، معاوية ولد الطايع، أنور السادات ، حسني مبارك، زين العابدين بن علي كلهم جاءوا من الجيش، لا بل ان ضباطاً عرباً أو أمازيغاً جاؤوا من الجيش الفرنسي وصلوا
الى القيادة في بعض الدول العربية كما كانت الحال في الجزائر او في المغرب مثلاً.
ليس مهمّاً معرفة كيف ولماذا وصل كل هؤلاء الى السلطة ولماذا نجحوا في البقاء طويلاً متربّعين على عروش السلطات في بلادهم، انما السؤال اليوم، هل انه بعد ان مرّ الوطن العربي بكل التجارب من ناصرية وقومية وبعثية ويسارية ودكتاتورية وإسلامية، هل نعود الى منطق غلبة العسكر، وهل أنّ الثورات التي نجحت في دول عربية مثل تونس ومصر والجزائر والسودان كانت لتنجح بلا دعم الجيش ؟
وماذا عن الدول الأخرى مثل سوريا التي بقي الجيش فيها الى جانب السلطة، أو في اليمن أو ليبيا حيث انقسمت الجيوش…..
أسئلة لا شك مُهمّة سنطرحها في هذه الحلقة من النقاش، لكن ما جذبنا اليها أكثر هو الخطاب الأخير لقائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون … وهو قائد أكثر مؤسسة يتحلّق حولها معظم اللبنانيين ويثقون بها، وتشهد تجويعاً لعناصرها. تخطّى قائد الجيش ّ في خطابه الأخير معهود الخطابات العسكرية، وحمّل مُباشرة كل الطبقة السياسية مسؤولية انهيار الوضع وحذّر ولكي أستخدم عباراته فهو سأل “الى أين نحن ذاهبون وماذا انتم فاعلون ” لقد حذرنا أكثر من مرّة من خطورة الوضع وإمكان انفجاره إن “العسكريين يعانون ويجوعون مثل الشعب، ثمة غايات وأهداف مخفيّة خلف الحملة على الجيش، فالمؤسسة العسكرية لن تسمح بأن تُصبح “مكسر عصا” … ولن تسمح بالتدخّل في شؤونها. ذلك أن :”المؤسسة الأمنية فوق كل اعتبار وأضاف كليب ثمة سؤالان جوهريان اذاً
أولاً: هل يسير الجيش اللبناني في ركب ما فعلته جيوش عربية اخرى في دعم الثورات، اذا ما قامت ثورة حقيقية في لبنان؟
ثانياً: هل يمكنه أن يتخذ هذا القرار، بالنظر إلى تركيبته ودور الأحزاب والطوائف فيه ؟
لمعرفة ذلك، سنتحدّث عن تجارب الثورات والجيوش العربية، ثم نقارن لنصل الى نتائج نأمل أن توضح الكثير.

حمود:
منسق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود الدكتور طلال حمو أفاد بأن الملتقى الذى انطلق منذ اربع سنوات وكانت له محطّات عدّة وهامّة حذّر من خلالها السلطة القائمة من التمادي في سياساتها المالية والاقتصادية الريعية القائمة على الاقتراض والاستدانةواستعطاء الهبات والمكرمات من هنا وهناك، وحذّرها من استمرارها في نهج الهدر والفساد وتوزيع المغانم على المحظيين والمقربين.
وكنا في الملتقى من أوائل المحذّرين لهذه السلطة من خطورة الوضع الاقتصاديوالمالي من خلال تنظيم المؤتمر الاقتصادي الأول مطلع العام 2019، الذي حذّر فيه خيرة خبراء الإقتصاد والمال الذين شاركوا معنا فيه، اركان هذه السلطه من إستمرارها في تلك السياسات لأنهم توقّعوا منذ ذلك الوقت ان هذه السياسات سوف توصلنا الى قعر القعر . والى هذا الجحيم الذي نعيش فيه اليوم.
وأضاف بأن الملتقى اكمل نشاطاته في ما بعد مواكباً المطالب الإجتماعية والمعيشية للشباب اللبناني عبر تنظيم عدة ندوات حول طُرق وآليات مكافحة الفساد وحول الإستراتيجية الوطنية المنجزة لهذا الهدف. وكنا في صدد إطلاق “المبادرة الوطنية الشعبية لمكافحة الفساد” التي لم تُطلق بسبب إنطلاق الحراك الشعبي العارم في 17 تشرين 2019. ومع الحراك كان للملتقى عدّة مبادرات حاول من خلالها السعي لإيجاد إطار قيادي مُوحّد او تنسيقية مُوحّدة له . لكن هذه المُبادره لم تؤت ثمارها لأسباب ُمتعدّده اهمها تعدّد المشارب والأهواء والاهداف
والشعارات عند معظم من نزلوا للساحات. وفي ما بعد استمر نشاط الملتقى للسعي لدرس آليات وامكانيات استرداد الأموال المنهوبة والمهربة والمُحوّلة الى الخارج وكيفية حماية حقوق المودعين في المصارف اللبنانية. وأمام التدهور الاقتصادي والمعيشي الخطير الذي يعيشه لبنان نظم الملتقى ايضاً عدّة ندوات حاول من خلالها طرح الحلول المُمكنة للخلاص الاقتصادي بعد ان أدت سياسات السلطة الفاسدة وحاكم مصرف لبنان ومافيات جمعيات المصارف الى ضياع ودائع اللبنانيين وتبخّرها، بحيث إستفاق معظم اللبنانيين على أكبر عمليه إجراميه عرفها لبنان في تاريخه الحديث.
ومؤخّراّ ومع تفاقم الأزمة السياسية ناقشنا وعلى مدى عدة جلسات المبادره الفرنسيه للإنقاذ بشقّيها السياسي والإصلاحي. وهي المبادرة التى قام بها الرئيس ماكرون سعياً لإيجاد تسوية سياسية- إنقاذية وإصلاحية يعرف معظمنا ان معظم القوى ساهمت في إفشالها. وبالتالي فقد تكاتفوا وتعاضدوا في ما بينهم الى ان وصلنا حالياً الى حائطٍ مسدود، مع
تأزّم غير مسبوق للوضع السياسي الذي يشهد تجاذبات خطيره خاصة بين الرئاستين الأولى والثالثه، مما يُنذر بإنهيار اعمق واخطر على كل المستويات الماليه، النقديه والأمنيه وغيرها. ولذلك إرتأينا في ملتقى حوار وعطاء بلا حدود تنظيم هذه الندوه بمشاركة مجموعه ُمتميّزه من الخبراءالعرب واللبنانيين مّمن تابعوا الوقائع الدقيقه للثورات إشتعلت في ساحات العالم العربي، بهدف بحث التقاطع والإختلاف بين ظروف ما حصل فيها وما آلت إليه الأوضاع في كل قطر عربي بعد ما ُسُمّيَ بالربيع العربي. وسوف نحاول من خلالها تحديداً إلقاء الضوء على دور الجيوش العربية في دعم أو إخماد تلك الثورات، وايضاً لبحث واقع الحراك في لبنان والدور المُحتمل والمُمكن للجيش اللبناني في حماية حرية الرأي والتعبير وللكيان اللبناني ولوحدة الدولة ودراسة محاذير ذلك ضمن معادلة دقيقة وحسّاسة جداً الا وهي ضمان حق الشعوب بحرية الرأي والتعبير والحفاظ على أمن المجتمع والدوله بذات الوقت دون الإخلال بالتوازنات، وعدم تجاوز الخطوط الحمر وتوفير الحمايه للكيان والوطن. وختم بالتمنّي بأن يتمّ النقاش خلال هذه الندوه بكل الإحتمالات
المُمكنه على هذا الصعيد في لبنان ، على امل أ ّن يكون الحوار حيادياً واقعياً ومنطقياً وبلا حدود، خاصة ولا سيما لأن مواقفنا كنخب ثابتة ومعروفة في هذا المجال واننا حريصون كل الحرص على تمسّكنا بوحدة الجيش اللبناني، فهو الدرع والركن الأساسي الحامي للوطن في هذه المرحله الصعبه والدقيقه ، مع أملنا وتعويلنا في المقابل على ضرورة أن يُساند هذا الجيش الوطني المطالب الشعبيه المُحقّة لحراك 17 تشرين.

ابو يونس
الدكتور انيس ابو يونس قال بأن دور الجيوش العربية في نجاح أو فشل الانتفاضاتالعربية هو مسألة تستدعي النقاش. لأن النجاح في إسقاط النظام القائم لا يعني بالضرورة دعماً لمبادئ الثورة ولا المساهمة في بناء بديل سياسي يستجيب لتطلّعات الشعب. ولهذا تفاوتت أدوار الجيوش العربية في دعمها الفعّال أو الصوري للانتفاضات العربية سنة 2011. وأضاف أن تونس تبقى إلى حدٍ بعيد استثناء في خضمّ الانتفاضات العربية، وربما الثورة الفعلية الوحيدة. فالبلد الذي انطلقت منها شرارة الانتفاضات العربية، في منتصف ديسمبر 2010.، عندما اتضح أن الشرطة والأمن لن يتمكّنوا من وقف مظاهرات الشوارع ، أطلق الرئيس بن علي العنان لعصابات البلطجية وقوات الحرس الرئاسي ضد المتظاهرين. كما أمر اللواء رشيد عمار، رئيس أركان الجيش لنشر القوات لدعم النظام، لكن اللواء عمار رفض هذا الأمر وسرعان ما وضع جنوده بين الوحدات الأمنية والمُتظاهرين مُقدماً بذلك دعماً حاسماً للثورة بشكلٍ فعّال. وهذا ما أجبر الرئيس بن علي على مغادرة البلاد. يرجع هذا بالأساس إلى أن الجيش التونسي ومنذ استقلال الجمهورية التونسية سنة 1957 مُبعداً عن السياسة ولا يحقّ له التدخّل فيها. كان نظام بن علي يعتمد على قوى الأمن بخاصة، مما أثار نقمة الشعب التونسي على القوى الأمنية على عكس الإحترام الذي كان ولا يزال يكنّه للجيش التونسي. كما أن قوة المجتمع التونسي كان عاملاً حاسماً في هذه النتيجة.
ولم يحاول الجيش التونسي السيطرة على الحياة السياسية بعد الثورة، بل إكتفى بحماية الشعب والبلاد وترك السياسة للمدنيين. قوة المجتمع المدني التونسي وعدم التدخلات الأجنبية كما حدث في بلدان عربية أخرى فيما بعد سمح بالإبقاء على سلمية الثورة ونجاحها في تفادي إغراق البلاد في آتون العنف والنزاع المسلح. أما في مصر، فتدخّل الجيش قد فجّر الثورة الشعبية من الداخل وأجهضها وأعاد فرض المنظومة العسكرية مجدداً، بخطاب تناغم مع الأصوات الشعبية في البداية وسردية سياسية جديدة قديمة، هذا لأن الجيش المصري قوّة سياسية أساسية لها منظومة إقتصادية مُتكاملة عزّزت وجوده القوى في الحياة السياسية على عكس تونس. فالجيش المصري كان ضد مبدأ توريث الحكم لنجل الرئيس حسني مبارك، الذي كان مدنياً وليس عسكرياً، وليس بالضرورة لأن قيادة الجيش كانت تدعم مبادئ الثورة الشعبية. وأكمل أنه في ليبيا واليمن، الوضع مغاير تماماً. في ليبيا، كان الجيش مُهمشاً بالكامل ومُترهّلاً. إذ أن العقيد معمر القذافي حرص على تهميش الجيش الليبي منذ إنقلاب 1969 لأنه المؤسسة الوحيدة التي كانت تستطيع ان تُهدّد نظامه، فأستبدلها بكتائب عسكرية مُوازية مُجهّزة ومُدرّبة جيداً، تحت إمرة أبنائه. هذه الكتائب هي التي تدخّلت لحماية نظام القذافي مع بداية الحراك الليبي. أما ما تبقى من الجيش الليبي الرسمي فجزء منه إلتحق بالمتظاهرين (اللواء عبد الفتاح يونس). وبعد سقوط نظام القذافي، إحتدم النزاع بين الإسلاميين وخصومهم حول ماهية الجيش الليبي وانقسم بذلك على أساس “قبلي ومناطقي” بين طرابلس في الغرب وبرقة في الشرق، .كل منهما يدّعي أنه يُمثّل المؤسسة العسكرية الفعلية.
أما في اليمن، فقد دعم جزء من الجيش الثورة اليمنية وبخاصة الألوية التابعة لللواء علي محسن الأحمر، نقمة على الرئيس علي عبد الله صالح وليس دعماً للثورة الشعبية، فيما بقي الجزء الآخر من الجيش وبخاصة القوات الخاصة والحرس الجمهوري موالياً للرئيس صالح، وجزء آخر آثر خلع اللباس العسكري والمكوث في البيت أو الإلتحاق بالمدنيين في الساحات. في كل من الحالة الليبية واليمنية، انقسم الجيش على أساس قبلي ومناطقي ودخلت البلاد في أتون الصراع المُسلّح والحروب الأهلية، المدعومة خارجياً.
أما في السودان، وعلى الرغم من أن الرئيس البشير كان محسوباً على التيار الإسلامي، بيد أن نظامه كان عسكرياً بالأساس بغطاء الإخوان المسلمين. فالترابي كان قد وضع العسكريين في الواجهة عام 1989 لإنجاح الإنقلاب الإسلاموي لكي يتفادى تدخّل مصر لإجهاضه لأنها ترفض قيام نظام الإخوان المسلمين في السودان. إلا أن البشير سرعان ما انقلب على عرّابه الترابي واستفرد بالسلطة. ما حصل مؤخراً في السودان مع انطلاق الإنتفاضة الشعبية، يشبه ما حصل في مصر إلى حد ما، أي أن الجيش إنضمّ إلى الشعب لتصحيح ما كان يراه وضعاً مختلاً ولإعادة قبضة العسكر مجدداً على السلطة ولو أن الواجهة تبدو مدنية إلى غاية اللحظة الراهنة.
من خلال التجارب التاريخية في العالم وفي المنطقة العربية بالذات، تبرز حقيقة أساسية هي أن تدخل الجيش في السياسة يُفسد المؤسسة العسكرية ويُفسد الحياة السياسية. الجيش يجب أن يبقى مؤسسة وطنية جامعة لحماية الوطن من المخاطر الخارجية، ولا يجب في أي حال من الأحوال أن يتحوّل إلى دولة داخل الدولة أو أن يشارك في الإنقسامات والمُساومات السياسية، أو أن ينقلب على الطابع المدني للنظام السياسي.

نعمة :
الدكتور ماجد نعمة اعتبر أنه فيما يتعلّق بالموقف من الانتفاضات التي اندلعت في الجزائر وليبيا وسوريا، من الواضح ان سلوك المؤسسة العسكرية في مواجهتها كان مختلفاً جذرياً. وهذا مُرتبط بطبيعة التحدّيات والأخطار، وتركيبة الجيش وعقيدته الإستراتيجية ومساره التاريخي.
فبالنسبة للجزائر شهد العالم تجربة فريدة من نوعها في طريقة مُرافقة الحراك وتبنّي مطالبه وتحقيقها دون الانحراف عن المسار الدستوري. فخلال أكثر من عامين من الحراك (من شباط/فبراير 2019 إلى آذار /مارس 2021 ، بما في ذلك هدنة الكورونا)، الذي شارك فيه مئات الآلاف من المُتظاهرين كانت نتيجة المواجهات الجانبية بين الشرطة وبعض المُتظاهرين كما يلي: وفاة شخص نتيجة قمع الشرطة هو رمزي يطو (19 نيسان / أبريل 2019). كما توفّي 3 أشخاص آخرين ، بمن فيهم نجل الرئيس السابق للحكومة المُؤقتة ، بن يوسف بن خدة ، بنوبات قلبية خلال المسيرات والاحتجاجات (في آذار ومايو ويوليو 2019). أخيراً ، في وقت الانتخابات الرئاسية ، يومي 11 و 12 ديسمبر / كانون الأول 2019 ، أصيب ما لا يقل عن 4 شبان جزائريين في العين برصاص مطّاطي. وبالمقارنة مع ما جرى فرنسا مع مظاهرات السترات الصفر فإن القمع (بالأعداد المُطلقة للمُعتقلين، القتلى والمصابين بجروح خطيرة) كان أقلّ في الجزائر بما لا يقاس!
بالمقابل، فقد حقّق المُحتجون كل مطالبهم التي رفعوها في بداية الحراك واهمها إسقاط مشروع انتخاب بوتفليقة لولاية خامسة، إجراء انتخابات رئاسية جديدة اسفرت عن فوز عبد المجيد تبون وهو شخصية وطنية كان قد أعلن الحرب على منظومة الفساد مما أدى الى إقالته من رئاسة الحكومة عام 2016 التي شغلها 4 اشهر فقط؛ وحُوكم أكثر من عشرين مسؤولاً رفيع المستوى من الحقبة السابقة، بمن فيهم أويحيى وسلال (رئيساً وزراء سابقين) و السعيد بوتفليقة وعدد من رموز الفساد من كبار رجال الأعمال؛ وتم وضع دستور جديد وإعتماده عن طريق الاستفتاء؛ وتمّ تبني قانون إنتخابي جديد ستجري بموجبه انتخابات تشريعية مُبكرة في حزيران/يونيو. وأكمل نعمة ، أنه عندما انطلق الحراك كانت هذه هي المطالب الأساسية للمتظاهرين. ومع الوقت دخلت بعض القوى السياسية المُتناحرة فيما بينها والمُتمركزة بغالبيتها في فرنسا في مزايدات نفّرت القسم الأكبر من الحراكيين كمطالبتها بإسقاط النظام الذي نشأ بعد حرب تحرير بطولية بكامله ورفض الإنتخابات والتخلّي عن المبادئ التأسيسية للجمهورية الجزائرية وإقامة دولة إسلامية وإلغاء المؤسسة العسكرية أو تهميشها. مع العلم ان المطالبين بذلك هم أقلية لا وزن لهم (وهذا ما يفسر رفضها للإحتكام إلى صندوق الاقتراع). كما أنهم يعلمون جيدا أنه كان بإمكان الجيش ان يستولي على السلطة مُباشرة ولكنه رفض ذلك وتمسّك بنص الدستور.
ولا بد من التذكير هنا بأن دور الجيش في السياسة الجزائرية لم يكن نتيجة انقلابات عسكرية بل جاء كتكريس لدوره في حرب التحرير، فهو جيش شعبي غير تقليدي ويُشكّل العامود الفقري لجبهة التحرير الوطني التي ظلت حتى عام 1988 الحزب الحاكم في البلاد. وقد انسحب من السياسة بعد ان أُلغي نظام الحزب الواحد وإطلاق التعدّدية الحزبية والإعلامية وعاد الى ثكناته واصبح جيشاً احترافياً وشعبياً في آن معاً. إذ ما زال نظام التجنيد الإلزامي قائما حتى الآن. وقد جاء إنسحاب الجيش من الجبهة نتيجة الصدامات الدموية التي حدثت في تشرين الأول 1988 نتيجة الأزمة الإقتصادية الكبرى التي دفعت آلاف المُتظاهرين الى الشارع بسبب سياسة الإنفتاح الإقتصادي التي انتهجها الشاذلي بن جديد. واضاف نعمة ان ما حدث في ليبيا لا يُقارن بأي شكلٍ من الأشكال بالحالة الجزائرية او السورية. فالجيش الليبي بكل مكوناته كان يرتكز على الولاء القبلي والجهوي وكان في بعض قطعاته يعتمد على تجنيد بعض المرتزقة لإستعمالهم في مغامراته البائسة في تشاد واوغندا. وعندما قرّر حلف الأطلسي إسقاطه عسكرياً بالتعاون مع بعض الميليشيات الإسلامية المُتطرّفة كان من السهل فرط الجيش الليبي وقتل قائده. ولكن النتيجة كانت تحويل ليبيا الى كارثة جيوسياسية وساحة للصراع الدولي والإقليمي وبؤرة للإرهاب والجريمة المنظمة. بالمقابل فالمقارنة بين التجربة الجزائرية والتجربة السورية مليئة بالعِبر والدروس.
فكلا الجيشين عقائديين ويجمعهما هدف الدفاع عن السيادة الوطنية والاستقلال ومقاومة التدخلات للخارجية. وللتاريخ، لا بُدّ من التذكير انه عندما كادت الدولة الوطنية الجزائرية في التسعينات ان تقع فريسة جبهة الإنقاذ الإسلامي عن طريق انتخابات مُزيفّة، وقفت المؤسسة العسكرية بقوة لصدّها. وقد كلّف ذلك الصمود الجزائر أكثر من 150.000 قتيل. ولكنها في نهاية الأمر انتصرت على الإرهاب وحافظت على الطابع المدني للدولة. كان الإسلام السياسي مسنوداً آنذاك من الغرب ومن دول الخليج. هذه نقطة تشابه أساسية مع ما جرى مع سورية مع فارق جوهري وهو انعدام التدخل الخارجي المُباشر في الجزائر في حين ان جحافل الإرهابيين الأجانب زحفت على سورية بتمويل وتسليح وتغطية إعلامية من الغرب ومن تركيا ومن دول الخليج التي ضخّت مئات المليارات من الدولارات لتدمير سورية وعملياً من كل الدول المحيطة بهاوختم نعمة، لقد تعلّمت الجزائر من التجربة التسعينية السوداء فتمكّنت من إدارة الحراك وتلبية مطالبه المُحقّة بسلمية فاجأت العالم في حين ان مُحاولات الحوار مع المُعارضة السياسية السورية أجهضت باكراً بسبب الضغوط الخارجية التي كانت تُلوّح لهذه المعارضة بسقوط قريب للنظام. كل ذلك رغم تحقيق الهدف الأول للمعارضين السوريين وهو الغاء نظام الحزب الواحد والتعدّدية الحزبية والإعلامية والتفاوض حول دستور جديد.

قمّورية :
الكاتب والإعلامي امين قمّورية، إعتبر ان الجيوش العربية من أكثر جيوش العالم تورّطاً في الأزمات السياسية منذ سقوط السلطنة العثمانية إلى اليوم، “إلى درجة إنه يُمكننا أن نجزم بأن ليس هناك حدود واضحة بين ما هو عسكري وما هو مدني في العالم العربي. حيث إن المؤسسة العسكرية ليست مؤسسة مُنفصلة بشكلٍ تام عن الحياة المدنية. وهذا ما تعكسه ردّات فعل الجيوش العربية أمام الأزمات الحادّة التي كوّنتها الثورات العربية منذ بداية عام 2010؛ فعلى الرغم من الإختلافات في ردّات الفعل التي أبدتها الجيوش العربية في كل دولة من دول الربيع العربي، يبقى القاسم المُشترك بين هذه الجيوش وجود علاقة خاصة بين العسكري والسياسي٠
وأضاف أن الجيش كان حاضراً في كل الثورات العربية واتخذ حضوره ثلاثة أشكال : الجيوش التي وقفت مع الثوار كما في مصر وتونس والسودان، الجيوش التي انقسمت حول دعم الثورة كما في اليمن وليبيا، والجيوش التي قرّرت الحفاظ على الوضع القائم كما في البحرين وسورية٠ في لبنان ، ممنوع الحديث بالسياسة في وحدات الجيش ويُمنع الضباط والجنود من العمل السياسي وتعاطي الشأن السياسي اثناء وجودهم في الخدمة، لكن الجيش حاضر بقوة في الحياة السياسية بدليل انه منذ الإستقلال وحتى اليوم ومن أصل ١١ رئيساً حكموا فعلياً ، كان من بين هؤلاء ٤ من الضباط الكبار تولّوا رئاسة الجمهورية ، بينهم ٣ على التوالي اخيراً احدهم بمفعول رجعي. كما ان كلّ قائد للجيش هو مُرشّح حكماً للرئاسة . ويُمكن القول انه كان للمؤسسة العسكرية الكلمة الفصل في تسمية رئيس خامس هو شارل حلو، وان رئيساً سادساً كان ابن المدرسة الشهابية التي بنت أُسُس الجيش الا وهو الياس سركيس (نصف عسكري).
و في ظل الصراع السياسي المُقنّع طائفياً بإمتياز، تعرّضت المؤسسة العسكرية لعدّة أزمات وتسببت في انشقاقها اثناء الحرب الأهلية. ومع ذلك نجحت هذه المؤسسة في إعادة لمّ صفوفها وكانت المؤسسة الوحيدة الجامعة التي يتغنّى بها أكثرية اللبنانيين في كثيرٍ من الأوقات في حمل سمة الرمز الوطني. لكن علينا الا ننسى ان الجيش تنظيم “اجتماعي مُغلق” ولكنّه مُنخرط في علاقات تأثير وتأثُّر مع المحيط الإجتماعي والسياسي للبلد. وبالتالي فهو يُمثّل تعدُّد الطوائف والمذاهب، والهويات السياسية النابعة من هذا التعدد. ويعكس بشكلٍ معقو ٍل المجتمع الطائفي اللبناني تحت مظلّة مؤسسة وطنيّة جامعة واحدة لكل اللبنانيين.
وفي سؤال ماذا عن الجيش اللبناني والثورة الشعبية ؟ أضاف قمّورية، لعل مثالاً بسيطاً، لكن مُعبّر عن الموقف الحقيقي من كلمة ثورة، وهو حذف عبارة الثورة تُولد من رحم الأحزان من أغنية في احد إحتفالات الجيش، ذلك انّ كلمة ثورة لاتتماشى ولا تنسجم مع تركيبة الجيش ولا مع هويّته ولا مع طبيعة المؤسسة والتنشئة المُعتمدة في معسكرات التدريب والوحدات. فهو ذو طبيعة تقليدية مُُحافظة وليس جيشاً ثورياً او ذا منشأ تمرّدي او تجريري. وانحياز الجيوش الى الثورات يُحدّده الجنود المُحترفون في مقابل المجنّدين إلزامياً: إذ إن قرار الإنضمام للجيش يعني القبول بأحكامه طوعاً- .فالمجندون إلزامياً أكثر عرضة للإنشقاق والميل نحو الثورات.والجيش اللبناني يضمّ
مُحترفين ومعاملة النظام للجيش: من حيث الرفاهية والناحية المادية وهل ثمّة مؤسّسات امنية تنافسه ام تحجب دوره كلها عوامل لها دورها. فرواتب ضُبّاط الجيش اللبناني ورتبائه، قبل الازمة الحالية، من اعلى الرواتب بين الجيوش العربية ما عدا الجيوش الخليجية، ولديهم إمتيازات خاصة لايحظى بها نظرائهم ويُعتبر الضُبّاط في اعلى السُّلم الإجتماعي. وكذلك مدى مُلاءمة المهام المُوكلة إليه فهو موجود للدفاع عن الوطن من المخاطر الخارجية، وأمره بتنفيذ مهام- الشرطة المدنية- سيفقده إحترام القادة وولاءهم سريعاً.
وهذا شأن يرتبط باللحظة وما تُمليه من ضرورات. وأكمل قمّورية، أما في حجم وتكوين المظاهرات وطبيعتها: هل هي سلمية أم عسكرية؟ هل تضم عائلات وشرائح – اجتماعية أم كلها شباب؟ هل تضمّ كل فئات الشعب؟ وهناك ايضا عاملان شديدا الأهمية اولاً : تماسك الجيش وترقياته والطبيعة الجهوية او الإتنية او الطائفية بداخله والتفريق بين القوات المختلفة.
ثانياً: رؤية قادة الجيش لشرعية النظام ومفهوم الشرعية مُهمّ لأن الثورة تندلع حينما يفقد النظام شرعيته بأعين مواطنيه.
وصحيح ان التطوير المهني المُشترك للضُبّاط، إلى جانب الخبرة اللاحقة المُكتسبة أثناء الخدمة في الجيش، جعلا الولاء للمؤسسة العسكرية عاملاً قوياً ومهيمنا في كثير من الأحيان. لكن الجيش في النهاية هو ابن هذا النظام وتركيبته تعكس الى حد كبير تركيبة النظام نفسه. طبعاً هناك إستياء من الفساد المُستشري بين الطبقة السياسية، لكن الاغراءات التي كانت مُقدّمة من هذه الطبقة للجيش ليست بسيطة، مع التذكير بأنّ التعيينات والمُناقلات في المناصب العليا في الجيش، تخضع للتقاسم الطائفي وتالياً لإرادة القوى السياسية الطائفية، ومن .المعروف أيضاً أن لكل طائفة من يمثلها في المؤسسة العسكرية وتبعاً لمشيئة الزعيم السياسي للطائفة، لكن تسييس التعيينات والترقيات العسكرية، الذي أسفر عن فائض في أعداد كبار الضُبّاط، يُقوّض الفعالية العملياتية للجيش. كما أن هذا التسييس يولّد انقساماً غير سليم بين الضُبّاط السياسيين وبين الضُبّاط غيرالمُسيّسين أو المُسيّسيين بدرجة أقل، يتحدّى مفاهيم الإحتراف العسكري، ويُضعف بالتالي ثقة الضباط بواحدة من مؤسسات الدولة اللبنانية القليلة التي يعتبرها مُعظم المُواطنين جديرة بالثقة وشرعيّة وهيئة وطنية بحقّ. والتوازن الدقيق بين الإنتماءات المُختلفة الذي سعى قادة الجيش المُتعاقبون إلى الحفاظ عليه، يوضح السبب الذي مكّن الجيش اللبناني من التغلّب على الأزمات التي يُحتمل أن تُعرّض تماسكه إلى الخطر، منذ أن تحرّر من الوصاية السورية واستعاد إستقلاله المؤ ّسسي عام 2005. لكنّ في حين تجنّب الجيش إحتمال أن يُصبح مؤ ّسسة فاشلة، فإنه لايزال عُرضة إلى خطر أن تحل ّ الإنتماءات السياسية أو الطائفية للضُبّاط محلّ ولائهم للمؤ ّسسة وقائدها الأعلى. وفي سياق مُتّصل، يبدو مستحيلاً إنقسام الجيش ما بين مُؤيّد ومُعارض بشكلٍ علني، وفي حال حصول هذا الإنقسام، فسيترتّب عليه إنقسام البلد، وفقدان المؤسسة الوحيدة التي يثق بها الشعب لصدقيتها. امّا في شأن التدخل الخارجي فقال قمّورية : قد يكون هذا عامل أساسي، مع طبيعة العلاقات بين النظام الحاكم والدول الأجنبية المانحة .للمساعدات الاقتصادية والعسكرية والمواقف التي قد تتخذها. وهنا ليس خافيا أن هناك من يُراهن مجدداً في الداخل والخارج على مبدأ أن لا حكم لغير العسكر من أجل الحفاظ على الأمن والإستقرار في ظلّ إنفلاش حالة عدم الثقة بالطبقة السياسية وأحزابها الطائفية، كما في ظلّ التخبّط الإقتصادي والمالي. ثمة كلام في محافل سياسية مفتوحة أو مغلقة بأنّ العسكر هو الحلّ لضبط الأوضاع في لبنان، وأنّ المؤسسة العسكرية وحدها هي القادرة على ضبط الفساد، ولعل التوالي المُتسارع للأحداث وتنامي الضغوط الخارجية في ظلّ الصراع الإقليمي المفتوح بين أميركا وإيران والتشجيع الاميركي العلني للجيش اللبناني وقائده العماد جوزف عون الذي يحظى ايضاً بإحترام “حزب الله”، يصبّ في خانة الكلام الدائر في محافل سياسية مفتوحة أو مُغلقة بأنّ العسكر هو الحلّ لضبط الأوضاع في لبنان، وأن المؤسسة العسكرية هي وحدها القادرة على ضبط الفساد ومواجهة صفقات السياسيين وتفلّتهم في أعمال النهب والإفساد. لكنّ العقبة الكبرى أمام مشروع كهذا هي وجود جيشين في لبنان، فهل يُمكن إيجاد تسوية بينهما وهذا ما يفرض على «حزب الله» أن يأخذ وضعية خفرة من أجل تمرير المرحلة بأقل الخسائر المُمكنة؟ فإذا اتفقا تكون التسوية مُمكنة واذا اصطدما فإنّ نار جهنم ستكوي الجميع.
واكمل بأنّ الطرفان عاقلان ولن يستعجل اي منهما على إتخاذ خطوة غير مدروسة او صدامية تجاه الاخر. والامر المُحتمل هو إيجاد توازن دقيق بين الجيشين اللذين وحدهما يُشّكلان “القوتين السياستين” اللتين تملكا القدرة على النجاة من الإنهيار الشامل ولو بعد الإصابة خسائر فادحة. لكن هذا يتطلّب عملية ضمّ ولمّ بعد التفكّك الناجم عن الإنهيار. وهذا يؤدّي الى تسوية كبرى تحتاج الى إرادة داخلية وتسليم بالحلّ، كما يحتاج الى تفاهم خارجي على غرار ما حصل في الطائف وإتفاق الدوحة. واذا لم تكن هناك تسوية في الافق القريب فإنّ الإنهيار سيُحطّم كل البنى والهياكل والمؤسسات بما في ذلك الجيوش.

بن سعادة:
الباحث الجزائري الكندي الدكتور احمد بن سعادة قسّم مداخلته الى قسمين وتكلّم في البداية عن ما سُميّ بالثورات الملوّنة فقال لقدً تمّ إطلاق إسم الثورات الملوّنة على الإنتفاضات التي هزّت المشهد السياسي في البلدان الشرقية اوالجمهوريات السوفياتية السابقة صربيا سنة 2000 ، جورجيا سنة 2003 اوكرانيا سنة 2004 وقرقيغيزا في العام 2005 . استندت جميع تلك الثورات التي تكللت بنجاحٍ باهر على حراكٍ يقوم به ناشطون شباب موالون للغرب وطلاب متحمسون ومدونون ملتزمون غير راضين عن النظام. تم تكريس العديد من الدراسات والكتب لدراسة هذه الإضطرابات السياسية. نذكر هنا على سبيل المثال المقال التفصيلي والشامل حول دور الولايات المتحدة في “الثورات الملونة” الذي كتبه كلاً من ج.سوسمان و س.كرادر من جامعة بورتلاند وقد ذكرا في ملخص المقال ما يلي:
” ما بين سنة 2000 وسنة 2005 تمت الإطاحة بالحكومات الحليفة لروسيا في كلٍ من صربيا وجورجيا وأوكرانيا وقيرغيزيا من خلال انتفاضات غير دموية. بالرغم من أن وسائل الإعلام الغربية عموماً تزعم أن تلك الإنتفاضات كانت عفوية وأصيلة وشعبية (نابعة من سلطة الشعب)، فإن “الثورات الملونة” هي في الحقيقة نتاج تخطيطٍ واسع. فقد مارست الولايات المتحدة وحلفاؤها مختلف أشكال الضغوط على الدول التي تكونت في فترة ما بعد الشيوعية واستخدمت الأموال والتكنولوجيا لخدمة “مساعديالديمقراطية” حيث تم إثبات تورط الكثير من المنظمات الأميركية بشكلٍ لا لبس فيه. من جملة هذه المنظمات نذكر المنظمة الأميركية للتنمية (USAID), الوقف القومي من أجل الديمقراطية (NED), المعهد الجمهوري الدولي (IRI), المعهد القومي الديمقراطي للشؤون الدولية (NDI), فريدوم هاوس (FH), مؤسسة ألبرت إينشتاين (AEI), ومعهد المجتمع المنفتح (OSI). جميع تلك الهيئات والوكالات أميركية وتتلقى التمويل إما من الميزانية الأميركية أو من الرساميل الخاصة الأميركية. علي سبيل المثال فإن الوقف القومي للديمقراطية يتم تمويله من ميزانية يتم التصويت عليها من قبل الكونغرس وتتم إدارة موارده بواسطة مجلس إدارة يوجد فيه ممثلين للحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي وغرفة التجارة الأميركية واتحاد العمل-مجلس المنظمة الصناعية, بينما يعتبر معهد المجتمع المنفتح جزءاً من مؤسسة سوروس التي يملكها الملياردير الأميركي جورج سوروس وهو مضارب مالي شهير. حول الدور الحقيقي للوقف القومي للديمقراطية, من المثير للإهتمام استعادة التصريح الذي أدلى به ألن وينشتاين (سنة 1991), وهو مدير مجموعة الدراسات التي قادت إلى إنشاء ذلك الوقف، وقد جاء في التصريح ما يلي: ” إن الكثير مما نفعله في الوقف القومي للديمقراطية اليوم بدأ بشكلٍ سري قبل 25 عاماً عن طريق وكالة المخابرات الأميركية”. و في سنة 1999، أعلن كارل غيرشمان, رئيس الوقف، أن “الترويج للديمقراطية قد أصبح أحد أهم ميادين النشاط الدولي الأميركي ودعامة للسياسة الخارجية الأميركية”. باختصار، فإن جميع هذه الهيئات الأميركية متخصصة في “تصدير الديمقراطية” حين يكون ذلك في خدمة السياسة الخارجية الأميركية. يعمل الوقف القومي للديمقراطية عبر أربع هيئات منفصلة ولكنها تتبع له بشكلٍ تام. فبالإضافة إلى المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الديمقراطي للشؤون الدولية، يضم الوقف أيضاً مركز المشروع الخاص الدولي CIPE- غرفة التجارة الأميركية والمركز الأميركي للتضامن العمالي العالمي ACILS والمعروف باسم مركز التضامن. تم إنشاء العديد من الحركات من أجل قيادة الإنتفاضات الملونة وأهمها: أوتبور (Otpor, االمقاومة) في صربيا، كمارا (Kmara، كفى!) في جورجيا، بورا (PORA، حان الوقت) في أوكرانيا، كيلكيل (KelKel، النهضة) في قيرغيزيا.
كانت حركة أوتبور وراء سقوط حكومة سلوبودان ميلوسيفيتس في صربيا. هذه الحركة التي يديرها سريا بوبوفيتش تروّج لتطبيق إيديولوجيا المقاومة الفردية اللاعنفية التي نظّر لها الفيلسوف وعالم السياسة الأميركي جين شارب، وهو أستاذ فخري في العلوم السياسية في جامعة ماساشوستس، كما عمل كباحث في جامعة هارفارد وكان من المرشحين لنيل جائزة نوبل للسلام سنة 2009، سنة 2012 و سنة 2013 . شكّل كتابه “من الدكتاتورية إلى الديمقراطية” الأساس الذي استندت عليه جميع الثورات الملونة. هذا الكتاب الذي تمت ترجمته إلى 25 لغة (من ضمنها اللغة العربية)، يمكن تحميله عن طريق الإنترنت بشكلٍ مجاني. جين شارب هو المؤسس لمؤسسة ألبرت اينشتاين، وهي تدّعي أنها منظمة غير ربحية متخصصة في دراسة أساليب المقاومة اللاعنفية خلال الصراعات. هذه المنظمة تتلقى التمويل من جهاتٍ عديدة، من بينها الوقف القومي للديمقراطية والمعهد الجمهوري الدولي ومعهد المجتمع المنفتح.
بدأت الإتصالات بين حركة أوتبور ومؤسسة ألبرت اينشتاين منذ بداية سنة 2000. أدّى التطبيق الدقيق لمبادئ المقاومة الفردية اللاعنفية التي سنّها جين شارب إلى السقوط السريع للحكومة الصربية، وقد شكّل ذلك الحدث النجاح الأول لنظرية شارب على أرض الواقع، وانتقال من النظرية إلى التطبيق.
بعد شعورهم بالقوة نتيجة الخبرة في زعزعة استقرار الأنظمة التسلطية، أسس ناشطو أوتبور مركزاً لتكوين وتدريب الثوار من جميع أنحاء العالم. يوجد هذا المركز في العاصمة الصربية بلغراد وهو يحمل اسم مركز الإستراتيجيات والأعمال اللاعنفية التطبيقية (CANVAS), ويديره سرديا بوبوفيتش. يتلقى مركز كانفاس التمويل من المعهد الجمهوري الدولي وفريدوم هاوس ومن جورج سوروس شخصياً وغيره من الجهات. “الصراع اللاعنفي في خمسين نقطة” هو واحد من الوثائق المتوافرة على شبكة الإنترنت التي تبين ماهية التدريب الذي يقوم به هذا المركز وهو يتبى بشكلٍ كبير نظريات جين شارب. يشير هذا الكتاب إلى 199 “طريقة من طرق العمل اللاعنفي”. ساعد خبراء كانفاس الصرب بشكلٍ فعال الناشطين في جورجيا (سنة 2003) وأوكرانيا (2004)، وأيضاً في لبنان (2005) والمالديف (2008). انخرط هؤلاء الخبراء أيضاً, لكن بنجاحٍ أقل في ألبانيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وإيران وفنزويلا .
تم استخدام شعار أوتبور (ومن بعدها كانفاس) بشكلٍ كبير في الإنتفاضات اللاحقة. الشعار عبارة عن قبضة مضمومة تحولت, مع مرور الوقت, إلى علامة فارقة لتشكيلات كانفاس. كما استخدمه الناشطون في البلدان المذكورة آنفاً.

واكمل بن سعادة انّه بخصوص الربيع العربي فأنه ليست الإنتفاضات الشعبية التي أصابت البلدان العربية في نهاية سنة 2010 سوى امتداد للثورات الملونة.
استفادت هذه الإنتفاضات, التي أطلق عليها الإعلام الغربي بشكلٍ مضلل اسم “الربيع”، من نفس الداعمين ونفس الممولين ونفس المنظمات إضافة إلى الإستفادة من التطور المذهل السرعة في مجال تقنيات الإتصال الجديدة وشبكات التواصل الإجتماعي.
وهكذا تحول الناشطون من متظاهرين منخرطين في الثورات إلى ناشطين على الإنترنت، لأن رحى الثورة دارت في الفضاء الإلكتروني أكثر من الفضاء الحقيقي. لم يكن ممكناً أبداً أن يكون التنظيم والحشد والنداء من أجل التظاهر والتزامن والتنوع في الأعمال التي يجب القيام بها على الأرض بمثل تلك الفاعلية لولا التقنيات الجديدة. وساهمت هيئات “تصدير الديمقراطية” في تأسيس ما أسماه الصحفي الفرنسي بيير بواسليه “الجامعة العربية على شبكة الإنترنت”. حيث تم تدريب العديد من الناشطين والمدونين من مختلف الدول العربية على استخدام التقنيات الجديدة كما تم إنشاء شبكة تربط فيما بينهم وبين الخبراء. وقد جرت عدة لقاءات اجتمعت فيها هذه “الجامعة العربية” قبل وقتٍ طويل من بداية “الربيع العربي” (وتتابعت تلك اللقاءات بعد ذلك). دعونا نشير إلى اللقاء الثاني، على سبيل المثال، الذي عقد في بيروت من 8 إلى 12 كانون الأول/ديسمبر سنة 2009 والذي جمع أكثر من 60 ناشط على الإنترنت قدموا من عشرة بلدان عربية. من بين “نجوم” الإنترنت العرب الذين حضروا: التونسيون سامي بن غربية، سليم عمامو ولينا بن مهني, المصريان علاء عبد الفتاح ووائل عباس, الموريتاني ناصر ودّادي, البحريني علي عبد الإمام, المغربي هشام المراط, السوداني أمير أحمد نصر, السورية رزان غزاوي , إلخ. كذلك تعاونت كبريات شركات الإنترنت (تويتر، يوتيوب، غوغل، فيسبوك،إلخ) مع وزارة الخارجية الأميركية وهيئات “تصدير الديمقراطية” من أجل جمع ناشطي الإنترنت سنة 2008، 2009 و2010 . جرى ذلك برعاية تحالف الحركات الشبابية (AYM — Alliance of Youth Movements) الذي يعلن عن مهمته بوضوح على موقعه الإلكتروني بكل وضوح وهي التعرف على ناشطي الإنترنت في المناطق المعنية، إقامة التواصل فيما بينهم، ومع خبراء وأعضاء المجتمع المدني، دعم هؤلاء الناشطين عبر تدريبهم وتقديم النصائح لهم وتزويدهم بمنبر للقيام بالإتصالات وتطويرهم.
شاركت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون شخصياً بمداخلة في اجتماع AYM سنة 2009. لم تتوقف هيلاري عن كيل المديح للتقنيات الجديدة طوال مرحلة “الربيع العربي”. وفي هذا الصدد أعلنت كلينتون بتاريخ 15 شباط/فبراير سنة 2011 أن: “الإنترنت تحولت لتصبح الساحة العامة في القرن 21الحادي والعشرين وأن التظاهرات في مصر وإيران، التي تمت تغذيتها من خلال الفيسبوك وتويتر ويوتيوب، تعكس قوة تقنيات الإتصال بصفتها عامل تسريع في عملية التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي .
إضافةً إلى التدريب الخاص بالفضاء الإلكتروني، اطلع الناشطون العرب على تقنيات كانفاس في مجال التحكم على المظاهرات التي تجري على أرض الواقع. هنالك حالة نموذجية في هذا المجال هي حالة المصري محمد عادل, الناطق بإسم “حركة 6 نيسان/أبريل” . فقد أكد في لقاءٍ خاص مع الجزيرة (أذيع يوم 9 شباط/فبراير 2011) أنه تلقى دورة تدريبية لدى كانفاس خلال صيف 2009, أي قبل أحداث الشغب في ميدان التحرير. لقد أصبحت تقنيات تنظيم الحشود والسلوك الواجب اتباعه في مواجهة العنف البوليسي أمراً مألوفاً لديه، و صرح في اللقاء ذاته :”لقد كنت في صربيا وتدربت على تنظيم التظاهرات السلمية وعلى أفضل السبل في مواجهة وحشية القوى الأمنية”. فيما بعد قام بتدريب عناصر آخرين. تم تأكيد هذه المعلومات من قبل سرديا بوبوفيتش الذي اعترف لصحفي سويدي: ” نعم، هذا صحيح. لقد قمنا بتدريب شبان من حركة 6 نيسان/أبريل”. لذلك لاحظنا “الطرق اللاعنفية” التي أوصت بها كانفاس خلال التظاهرات التي هزت الشارع العربي. ولاحظنا خصوصاً استعمال قبضة أوتبور على نطاقٍ واسع من قبل ناشطي الإنترنت العرب من المحيط إلى الخليج.
ما جرى في الجزائر مع الحراك لا يختلف كثيرا عما جرى في البلدان العربية الأخرى. فالحراك كان نابعا من نبض الشارع الجزائري الذي رفض العهدة الخامسة ومنظومة الفساد. المطالب كانت محقة تماما. وقد تميز الحراك بسلميته وبحماية المؤسسة العسكرية للمشاركين فيه ومرافقتهم حتى تحقيق كل مطالبهم: استقالة الرئيس، محاكمة وسجن رموز الفساد، انتخاب رئيس جديد، تعديل الدستور وتعديل قانون الانتخاب تمهيدا للانتخابات النيابية المقبلة في شهر جوان القادم. ورغم ذلك رأينا اختراق هذا الحراك من قبل بعض الأطراف لحرفه عن مساره الأول من خلال رفع شعارات تهدف الى تدمير المؤسسات الدستورية لمصلحة أجندة خارجية.
عباس:
العميد المُتقاعد محمد عباس قدّم مُداخلة قيّمة وداً على كلام الأستاذ قمّورية قال فيها، بداية أوجه التحية لكل من نظّم وأدار وشارك وتابع هذا اللقاء ​كما انني اريد ان الفت نظر المنظّمين والحضور الكرام الى انني لست ممثلاً لقيادة الجيش في هذه الندوة, لأن الجيش لا يُشارك في مناظرات سياسية مباشرة… ومواقفه ودوره ومهماته واضحة، وهو يُعبّر عنها بأوامر اليوم, وبمناسبات وطنية مُحدّدة, وايضاً من خلال توجيهات العماد قائد الجيش للضباط والعسكريين خلال زياراته للوحدات الكبرى في مواقعها سواء في الداخل او على الحدود. و لكن بوسعي الإدعاء, انه يمكنني ان أعبّر الى حدّ بعيد عن موقف الجيش, وافهم هواجس قيادته بخاصة أنني تسنّمت مواقع مسؤولية عديدة فيه, وعايشت محطات هامّة ومفصلية من تاريخه, بدءاً من الحرب الأهلية عام 1975 وإنقسام الجيش وتشرذمه, الى احداث عامي 1983و 1984 التي أدّت الى نشوء ألوية مناطقية وطائفية, ثم الى إعادة توحيد الجيش وتنظيمه مع الرئيس العماد اميل لحود عام 1990 وصياغة عقيدته التي لا تزال البوصلة التي يهتدي بها في الملمّات.
​لابدّ ان أنوّه بالصورة التي قدّمها الاستاذ امين قمورية والتي اضاءت بصورة واقعية على تاريخ الجيش ودوره سابقا” وواقعه حاليا”, مع ابداء الملاحظات التالية:
1- صحيح ان تعاطي الشأن السياسي ممنوع على العسكريين اثناء وجودهم في الخدمة, ولكن الجيش يحرص على تثقيف ضباطه وعناصره وإحاطتهم بما يجري حولهم, ولكن تنشئتهم الوطنية تُركَّز على ما يجمع لا على ما يفرّق, ولا يدخل في النزاعات السياسية القائمة لأنها تؤثّر سلبا” على تماسكه, كما يحرص على البقاء على مسافة واحدة من الجميع، يظلّلهم بالأمن الذي يوّفره بتضحيات جنوده وتعبهم وسهرهم.
لكن الجيش مُنخرط في الحياة السياسية بقوّة لأنه على تماس مباشر مع بيئته يؤثّر فيها ويتأثّر بها، إنّما ولاءه لمؤسسته لا نقاش فيه وهو يلتزم بتعليمات وتوجيهات قيادته ويدعمها في قراراتها خاصّة في ظلّ الإستقرار السياسي والأمني، وحيث ينخفض تأثير المحيط عليه, أمّا في حالة اللا إستقرار وإحتدام الصراع والإنقسام السياسي العامودي والأفقي الذي يأخذ في معظم الاحيان طابع الإستقطاب الطائفي والمذهبي, فممّا لا شك فيه أنه يترك تأثيره على الجيش ويقيّد حركته, ويهدّد وحدته, بخاصة عندما يختلف المُتصارعون على دوره, كما حدث في الفترات التي اشرت اليها, أو كما حصل في محطّات عديدة اخرى مع حالة الاسير في صيدا, أو مع جيب عرسال … أو مع خلايا الإرهاب في بحنين والضنية…
امّا ما أشار اليه الباحث لناحية حضوره السياسي من خلال الإتيان بأربعة رؤساء للجمهورية, فهو أمر لا يُمكن القياس عليه بإستثناء حالة واحدة مُتميّزة وهي فترة تولّي الرئيس الراحل فؤاد شهاب سُدّة الرئاسة, والتي استطاع خلالها من بناء دولة مدنية بمؤسساتها العصرية – وليس نظاماً عسكرياً – والتي استطاعت انجاز مشاريع عملاقة خلال فترة وجيزة. لقد بنى الرئيس شهاب دولة انعدم فيها الفساد الذي استشرى قبله وعاد وتفشّى بعده, وقد اتكّأ الرئيس في إدارته للدولة على الجيش (المكتب الثاني) وكان بمثابة حزب الرئيس لعدم وجود حزب خلفه, لأنه جاء من خارج المنظومة السياسية التي اورثنا إياها الإحتلالين التركي والفرنسي, لذلك تكاتف الجميع عليه وتحالفوا ضدّه من الحلف الثلاثي الى زعماء الطوائف الآخرين, لأنهم خافوا على مصالحهم التي لا تتحقّق إلاّ بوجود الدولة – المزرعة, فدمّروا مؤسساته وحلّوا المكتب الثاني واصابوا الجيش بعمى امني لفترة غير قصيرة.
لذلك لا يمكن التعويل على تكرار هذه الحالة (بالرغم من نجاحها) والقياس عليها للحكم على نجاح الجيش من عدمه في مُمارسة السياسة, لأنها لم تعمّر طويلاً، ولأن الظروف اختلفت, ومنظومة الفساد تجذّرت وتصلّب عودها وصارت حالة عامة لها جمهورها المُستفيد من مغانمها, او الذي يقتات على فتات موائدها.
2- في موضوع الجيش والثورة او التمرّد, لقد اشار المُحاضر الى ان المُجنّدين اكثر عرضة للإنشقاق من المُتطوّعين المُحترفين … وهذا صحيح, ولكن الأسباب الحقيقة لتشظّي الجيش ترتبط اولاً واخيراً بالصراع السياسي المؤدي للحرب الاهلية, وقد اشرنا الى ذلك, ففي الاعوام 1983و 1984 إنقسم الجيش مناطقياً وطائفياً – ولو بقي نظريا تحت قيادة واحدة – ولم يكن فيه مُجنّدون.
3- اما في قضية التعييات والتشكيلات في المناصب العليا والوظائف الهامّة, والتي تخضع للتقاسم الطائفي ولإرادة الزعامات السياسية للطوائف, فهي بالرغم من سوئها وقبحها فهي لا تُعتبر حاكمة في تماسك الجيش, ولكنها تُضعف المناقبية العسكرية, كونها تدفع الضباط الطامحين للمناصب للتذلّل على ابواب السياسيين او حتى على شرفات تابعيهم، وهذا يقضي على مقولة “L’officier est un seigneur”. كما انه يُثير حنق وإحباط ضباط أكفّاء آخرين, يحول دون تحقيق طموحاتهم، أنفتهم، وعزّة انفسهم.
4- الرهان في الداخل والخارج على مبدأ ان لا حكم لغير العسكر في ظل عدم الثقة بالطبقة السياسية واحزابها، وفي ضوء التخبّط الإقتصادي والمالي, ثمّة كلام “… ان العسكر هو الحلّ …”
على هذه النقطة، الجواب القاطع أن “مقولة الجيش هو الحلّ” أثبتت انها وصفة غير صحية والشواهد والعبر من الأحداث -التي حصلت في ثمانينات القرن الماضي- على عدم جدواها لاتزال ماثلة. ومن دون شك أن اطرافاً اقليمية ودولية تسعى للتصعيد وإشعال حريق في لبنان, بواسطة قوى محلية, وصولاً الى حافة الحرب الاهلية, وبعضها لا يخفي أهدافه بتدمير لبنان علّه يصيب حزب الله, عندها وحسب اعتقاد هؤلاء يصبح تكليف الجيش بإدارة البلاد أمراً واقعاً بهدف مُكافحة الفساد ووقف حالة الانهيار, ويقيسون الوضع على بلدان اخرى مثل مصر والسودان…, في إسقاط غير موضوعي, وغير منطقي, وغير مُحيط بالواقع اللبناني.
وهذه المقاربة غير موضوعية للأسباب التالية:
1- اذا انفجر الوضع الأمني (حتى دون مستوى الحرب الاهلية)، سرعان ما يأخذ منحًى طائفياً ومذهبياً, ويُصبح الأمن الذاتي الذي لهج به البعض أمرًا واقعاً, وينتعش الإرهاب المُنتشر في بعض البيئات والذي يعيش حالة كمون, وسيحاول إقتطاع مساحات جغرافية آمنة في بعض الأماكن التي له فيها بيئة حاضنة.
السؤال الذي يطرح نفسه، كيف سيكون حال الجيش في هذه المناطق؟! وهل ستكون قراراته مُلزمة ونافذة على الوحدات العسكرية فيها؟!
وحتى هل سيبقى موحدًا؟
2- في رأيي فإن هذا الإحتمال بالرغم من السعي الحثيث لتحقيقه… يبقى مُستبعدًا لأن الطرف القوي المُستهدف وهو المقاومة يتحاشى الصرا ع الداخلي ويسعى جاهداً لضبط جمهوره لعدم الإنجرار للإستفزازات التي تثيرها عناصر مشبوهة تقطع الطرق وتعتدي على العابرين، لأن معركة المقاومة الأساس هي مع العدو، وأية معركة أخرى تُضعف قدرتها على الردع تجاهه.
كما أن الجيش وموقف قيادته الحازم والقرار الحاسم لفخامة الرئيس القائد الأعلى للقوات المُسلحة، لن تسمح لمثيري الفتن بتحقيق مآربهم وجر ّ البلاد إلى الصدام المُسلّح. والإجراءات الأخيرة التي إتخذها الجيش صبّت في هذا الإتجاه، والأمر اللافت للإنتباه أن مُحرّكي الفتنة- ولو كان بعضهم يسعى إليها- ينفون علاقتهم بمُثيري الشغب ولو كانوا من جماعاتهم الحزبية لإبعاد الشُبهة عنهم خوفاً من إتهامهم.
أما الإحتمال الثاني، ففي حال تعثّر تشكيل الحكومة وهو أمر شبه مُؤكّد، وكذا في حالة عدم وجود حلّ دستوري أو رغبة بإيجاده لتفعيل الحكومة، مُقابل حالة الإستعصاء هذه يصبح عندها أمر إدارة الجيش لحكومة إنتقالية لفترة محدودة –مُؤلّفة من عسكريين وقضاة ورجال إقتصاد… مشهودًا لهم بنزاهتهم وتجرّدهم وكفاءتهم – أمراً مُحتملاً. وبرأيي ستكون هذه الحكومة مدعومة من الجمهور غير المنضوي في أحزاب السلطة وكذلك من بيئة المقاومة، ولا أعتقد في هذه الحالة أن حزب الله سيُعارض هكذا حكومة وسيؤازرها ويحمي ظهر الجيش في الداخل, كما يؤازر الجيش المقاومة ويحمي ظهرها في أي صراع مع العدو.
وانهى عباس بملاحظة أخيرة قائلاً انا لا أوافق الأستاذ قمّورية على عبارة الجيشين، ولا على اي إحتمال للصدام بينهما, لأن هناك جيش واحد للبنان وهناك مقاومة، ولكل منهما دوره الوطني ويُفترض أن يُكمل واحدهما الآخر بخاصة في هذه الظروف المفصلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى