مقالات

غسان جواد في رسالة إلى معارض شيعي

عزيزي، عزيزتي

اكتب اليكم اليوم من موقع من كان يشبهكم قبل 15 عامًا. كنت في أقصى المعارضة السياسية للثنائي. كانت تخدعني الشعارات التي تخدعك حاليا وتضللني كما تضللك راهنًا. شعارات الحرية والسيادة، وبدنا نعيش، واختنقنا وما فينا نحارب كل العالم الخ الخ..
وكذلك ثنائيات “محور الموت” و”محور الحياة” والنور والظلمة، والابيض والاسود.

وكانت تأخذني العزة بالاثم، واعتبر نفسي ممسكا بالحقيقة حريصًا على البلد اكثر من أي أحد يحاوروني. وتغمرني الحماسة نظرا للتشجيع والمديح الذي القاه ممن يريدون لكم اليوم أن تكونوا رأس حربة في الحرب على أهلكم ومجتمعكم.

هل تعلم ما هي اول ملاحظة جعلتني اقف وافكر؟

في “فريقكم”، في وسعك أن تكون “سنيا” منسجمًا مع بيئتك ومحيطك او “درزيا” او “مسيحيا” متناغما مع محيطك بالكامل، وفي الوقت ذاته “أنت وطني حامل لقضية لبنان” ولا تناقض بين مصالح طائفتك ومصالح البلد، ولكن ليس في وسعك كشيعي أن تكون منسجمًا في بيئتك ومناضلا من “اجل لبنان” كأنما ثمة تناقض جوهري بين الامرين.

المطلوب منك أن تكون في معركة مفتوحة مع اهلك وإخوتك ومجتمعك وابناء عمومتك واخوالك، وجدك وجدتك، حتى تستحق الموقع والاعتراف بلبنانيتك ووطنيتك وانتماءك.

وتصوير أهلي وأهلك أنهم على تناقض اساسي مع مصالح لبنان تمهيدا لعزلهم وإضعافهم، واعادتهم الى مرحلة ما قبل “الصعود والحضور وتحقيق الانجازات ومنها تحرير ضيعتي وضيعتك”.

ما بين 2005 و2007 لم يبق لقاء شيعي معارض الا وقد دعيت اليه وصرت طرفًا فاعلا فيه. وكانت تربطني صداقات بكل الشخصيات الشيعية المعارضة للثنائي، ولم اكن مستشارًا موظفًا.

كنت منتجًا ومرتاحًا واعمل في الاعلام ولم أكن بحاجة لأتوظف، وهذا ما جعلني أتعامل مع الجميع بندية ومن منطلق الصداقة.

وقد أسسنا أولا “اللقاء الشيعي اللبناني”، ثم لقاء “الانتماء اللبناني” الذي كان يضم مروحة من الشخصيات الشيعية المعارضة منهم أحمد الاسعد الذي اختار فيما بعد هذا الاسم لحزبه، وثم اسسنا أيضَا لقاء “الخيار اللبناني” ومساهماتي في كل هذه المحاولات كانت تنظيمية، ولم يكتب لكل هذه المحاولات النجاح لأسباب كتبتها عندما قمت بمراجعتي السياسية قبل 12 عامًا..

قلت يومها أن أهم اسباب فشل “المعارضات الشيعية” التي انطلقت منذ ذلك الحين، أن أفرادها لا يعرفون الشيعة، ولم يعاينوا التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عاشتها الطائفة منذ مجيء الامام موسى الصدر الى لبنان عام 1959، وبعد اندلاع الحرب عام 75، وبعد انتصار الثورة الايرانية عام 79 وتأسيس المقاومة من افواج المقاومة اللبنانية الى المقاومة الاسلامية.

تحولات ومراكمات نوعية تعامل معها معظم المعارضين الشيعة من منطق استعلائي، وطبقي، مارسه أفراد من عائلات فقدت امتيازاتها عندما تغير المجتمع ومثقفون فهموا العلم والثقافة انسلاخا عن الذات.

مجموعة افراد غادروا البيئة الشيعية باكرًا ولم يتفاعلوا معها ومع تطورها الطبيعي، يريدون تعليمها أين الخطأ وأين الصواب وكيف تتموضع وما هي مصالحها!! من دون الاعتراف بالحقيقة وهي أن الطائفة عاشت منذ الثمانينيات نهضة سياسية واقتصادية وعلمية وعمرانية وديموغرافية تلخصت بأمرين: مزيد من الحيوية في الدولة اللبنانية والاجتماع اللبناني مع حركة امل، وتحرير الجنوب من خلال المقاومة.

هذان حدثان كبيران لكل من يريد فهم حقيقة الصعود الشيعي وظروفه العلمية واسبابه التاريخية والموضوعية والذاتية.

عندما قمت بمراجعتي هذه لم ارتكز الى خطاب طائفي، ولم اتحول عن الايمان بالمواطنة والدولة المدنية الراعية لجميع ابنائها دون تمييز، الى خطاب طائفي او خطاب تقوقع..

وعندما أخص “الشيعة” اليوم بهذا المقال لا اعني أن اكرس التقسيم الطائفي المذهبي الموجود في البلد اصلا.

جل ما حدث، أنني غيّرت الزوايا التي كنت ارى الامور من خلالها. وقمت بمصالحة عميقة مع بيئتي المعرفية الاولى. مع دعاء كميل، وآذان الصبح والعصر والمغرب. مع الشهداء والطيبين والمكافحين من اجل عيالهم. مع من قدموا فلذاتهم لأجل لبنان ولأجل دولته وشعبه كل شعبه مع المثقفين والعلماء وطلاب الحوزات والجامعات، مع المثقفين المرتبطين بمجتمعهم يفهمونه ويتفهمهم، النقديين الانقياء الطامحين للاصلاح وليس الظهور.

ولم أجد من أهلي ومجتمعي الا الاحتضان، والتفهم والتسامح والاخلاق التي ورثوها عن محمد وال محمد الاطهار عليهم السلام.

سأكتب كل هذه التجربة بالتفصيل ذات يوم، سأحدثكم عن راحة البال والضمير المرتاح والسكينة والطيبة والاعتزاز والشرف حين يستوقفني احد اهالي الشهداء معتزا كريما شامخا مشيدا بما اقوم به على تواضعه بل شديد تواضعه امام ما قدم هو وغيره من اجلي ومن اجلك.

عزيزي_عزيزتي

كونوا كما تشاؤون وعارضوا وعبروا عن آرائكم وقولوا ما شئتم في السياسة وغيرها عارضوا الثنائي تحت خيمة المقاومة والثوابت لا مشكلة.

تمردوا كما يحلو لكم، ولكن تذكروا أنكم في النهاية ستكبرون، وسيشتعل فيكم الحنين الى كل ما انكرتموه عبثا وما استعليتم عليه وشوهتموه عن قصد او عن غفلة.

من محراث جدي وجدك، الى الرداء الابيض عند صلاة الصبح مضيئا على وجه جدتك وجدتي. الى كل هذا التراث الكريم الواسع المنفتح المتعايش المضحي الوطني اللبناني في الصميم, العربي كخيار استراتيجي الاسلامي كهوية..

تذكر كل ذلك وستصغر بعدها تفاصيل كثيرة لا زلت تقنع نفسك بها..

وتعلم شيئا من تجربتي إني اصدقك القول، ما قمت به من اعتراف بالخطأ ومراجعة لموقعي في الصراع من اجل هذه البلاد كلفني الكثير ولا زال يكلفني الكثير من حملات الشيطنة والتشويه والتكذيب، لكنه موقف يحتاج ويستحق تلك الشجاعة وهذه التضحية، وهي شجاعة ستدرك انها في محلها فتعلم من تجربتي..

أعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى