أخبار محلية

رِسالَة مَفتوحَة جداً إلى دولَة الرئيس نبيه برّي

رِسالَة مَفتوحَة جداً إلى دولَة الرئيس نبيه برّي

إعلان

ليبانون ديبايت – روني ألفا

دولَة الرّئيس،

منذُ اندِلاعِ جنونِ الجمهوريَّة وأنتم تَدعونَ إلى عارِضٍ من الرّشد في عَوارِض خَبلِها. بينَ اللَّبخات والضّمادات استمرَّتِ الوجوهُ المكفهِرَّةُ في تحريكِ السكّين داخِل جرحِ النّظام علَّه يخرُّ متأثّراً بِجِراحِه. وبدَلَ أن يُعطَى الشّعبُ اللبناني فَي عزِّ وجعِه هدأَةَ مسؤولٍ ووقارَ حرّاسٍ وحِكمَةَ حكّامٍ، أُعطِيَ وصفَةً للصّبرِ على الضَّيم والخضوعِ للنّزوَة والإذعان للمتسلِّط.

لبنان يا دولَة الرّئيس في حالَةِ إحتِضارٍ وأعلَمُ تَمامَ العِلم كَم يَعني لكُم هذا البَلد الذي احتَضَن مآسينا كما تحتضِنُ الوَجنَةُ دمعَةً ثَكلى وكما تغمرُ الفاتِحَةُ ضَريحَ شَهيد. أنتمُ الذينَ تذَوَّقتُم خبزَ الوَطَن وأطعَمتُم مِنه وعشتُم أفراحَه وأتراحَه وخرّجتُم أغلَبَ تسوياتِه ودرأتُم عنه المحنَةَ والفِتنَةَ حينَما اشتدَّتا، والأزمَةَ حينَما استَفحَلَت والخطَرَ حينما ادلَهَمّ والمَصيرَ حينَما غَمَضَت معالِمُه.

دولَة الرّئيس، لَم يبقَ مِن العمر أكثَر مِمّا انقَضَى وبرَكةُ العمر حسنُ العَمَل. مَع تراكُمِ الأيام تنوصُ العداواتُ وتَستَحيلُ قِصَصَ صالوناتٍ وتتقلّصُ الخصوماتُ وتتحوّلُ إلى مَجموعةِ طِرَفٍ في كتاب. وكَم مرَّ عَلى دولَتِكم خَصمٌ لَدودٌ فَحوّلَتهُ الأيامُ إلى صَديقٍ أو حَليفٍ أو زَميل. وكَم مررتُم ومرَّ معكم وطنُكُم الذي تُحِبّون في نفقٍ دامِسٍ فخرجتُم بِه نحوَ ضوء الإستِقرار ونِعمَةِ الإستمرار.

دولَة الرّئيس،
نظَرتَ مِن حَولِك فَقلتَ أنّكَ تجرّبُ و’ لَن تيأس ‘. ما أصعَبَ أن يتعلّقَ الإنسانُ برَجاءٍ يجهَلُ ساعَة انبلاجِه وبانتِظارٍ تختلِطُ فيه عليه لحظَة الفَرَج. الأفعالُ البربريَّة في لبنان فاقَتْ كلَّ التوقعّات. بلغَ بالبعضِ الدَّركُ إلى إفتِعالِ حروبٍ وظّفوا فيها القدّيسينَ والرّسلَ وأهلَ البَيت والأئِمَّةَ والعَمائِمَ والكهنَةَ. بلَغنا وَطناً يا دولَة الرّئيس تخجلُ عَمامَةُ الإمامِ الصّدر منه ويأنفُ مِن موبِقاتِه صَولَجانُ البطريرك غريغوريوس. كيفَ لإمامَة أن تمرّ بِقمامَة ولا تأنَف؟ أنتَ الذي رافَقتَ عهودَ بِناءِ الدّولَة في السـتّينات وحِمايَتِها في السّبعينات وتوازناتِها في الثّمانينات واستِقرارِها في التسعينات وواكَبتَها في كلّ إنفراجاتِ أساريرِها وإنفِجارات أسرارِها منذُ عِشرينَ سَنة حتّى اليَوم لَن تَعصى عليك فكرَةٌ أو مبادَرَةٌ أو خطوَةٌ تلمُّ بِها رَميمَ الجمهوريَّة وتنقِذُها مِن أفعالِ البربريَّة وصَقيعِ الفصولِ الآتيَة.

نحنُ يا دولَةَ الرّئيس في مرحَلةِ المناوَشات. حقبةٌ أخرى تُطلُّ بِوجهِها الذَميم عَلينا. سيكونُ إطلاقُ النار عشوائيّاً وفي كلّ الإتّجاهات ومَن سِوى أصحاب الفِكر وأهل الأقلام والأحلام أكثر أهليَّة منهم باللّوذِ بِكم ؟ لَن يتوانَى البَرابرِة عَن فِعل أي شيءٍ مُدمِّرٍ فبادِر يا دولَة الرّئيس بِجمعِ هؤلاء. أنتم في الملّمات الكبرَى تَعرِفونَ كيفَ تتنازَلَون وكيفَ تَجمَعونَ وكيفَ تَجتَرِحون.

إجمَعهم يا دولَة الرّئيس على مائدَة مِن الخبز الوَطَني. ألزِمهُم بِتسوِيَة. لا إيران ولا أميركا ولا فرنسا ولا مَن يحزَنون. أقنِعهُم بِكلمَة سَواء لبنانيَّة. حفّظهُم مَوادّ الدّستور. أَحرِجهُم. إنتَزِعْ منهم تنازلاً. تسويَةً. إتّفاقاً. أقنِعهُم أنَّ أيَّ مؤتَمَرٍ تأسيسي سيعيدُ إنتاجَ حربٍ أينَ مِنها الحربُ الأهليَّةُ البَغيضَة. قُل لَهم أنَّ الطائِف ليسَ بِحاجَةٍ إلى حَمّامٍ تِركي ولا إلى عطرٍ فرنسي ولا إلى كُشَري مصريَّة ولا إلى بَرازق سوريَّة ولا إلى كوشَر إسرائيليَّة. الطائِف بِحاجَة يا دولَة الرّئيس إلى مَن يسرِّح لَه شعره بِتؤدَة لا أن يشدَّه مِن شَعرِه وأن يغسِلَ أدرانَه بِصابونَة بلديَّة ويُلبِسَ جسدَه الغَضّ ثياباً نظيفَة لبنانيَّة صِرف.

دولَة الرّئيس، قل لَهم أنه عليهِم أن يتحرّروا مِن هذه الدوّامَة القاتِلَة وأنَّ مِن حقوقِنا عليهِم أن يُقدّموا لَنا أفضَلَ ما في لبنان وليسَ أشنَعَ ما فيه. قل لَهم أنهم مُلزَمون بالإستِماعِ إلى حَشرَجاتِ مَوتِنا. قل لَهم أنه مِن غير الجائِز أخلاقياً ووطنيّاً أن يعبّروا عَن روح لبنان بالشكل الدّنيء والسّفيه الذي يعّبرون فيه عنه بِمجالِسِهم وفي وسائِلِ الإعلام . قل لَهم أن روح لبنان تسكنُ في قيمَة الحِوار والجِوار والإعتِدال. مِن قلبٍ مَحروق ومِن قلبِ الحَريق يبدو لي دولَة الرّئيس أنَّ مِن مهام المثقفين والكتّاب والمفكّرين الأخلاقيَّة في لبنان أن يضمّوا صَوتَهم إلى صَوتي الخاِفت فيسهِمون بَدَل التّسعير بالتّبريد وبالدّعوَة إلى كلمَة سَواء.

أعقِدُ الرّجاء دولَة الرّئيس أن تترجِموا فِعلَ لَفظِ اليأس مِن قاموسِكم الأخلاقي والوَطَني بدَعوَة هؤلاء. سَتكون مناسبَة ربّما الأخيرَة حتى نكتشِف كلبنانيين ومِن قلبِ المحنَة وحدَتنا المعنويَّة وقيمَتنا الأخلاقيّة.

دولَة الرئيس، لا يمكنُ ومَهما كانَ الظّرف أن ندعهم ينقادونَ للشتيمَة والنّميمَة والذَّميمَة وأن يقودونا مَعهم إلى التأقلم مَع مشاعِر البغض والحِقد والكَراهيَّة. قلتم دولَة الرّئيس ‘ لَن أيأس ‘. لا تيأسوا دولَة الرئيس.

أعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى