مقالات

بايدن والشرق الاوسط

تحظى منطقة الشرق الاوسط بأهمية كبيرة لدى الولايات المتحدة الأمريكية لاعتبارات سياسية واستراتيجية واقتصادية وأمنية.

وهناك مجموعة من الثوابت التي ترتكز عليها السياسة الأمريكية في التعامل مع هذه المنطقة بغض النظر عمّن يحكم البيت الأبيض، سواء أكان من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، تتمثل أهمها في ما يلي: 1

) الحفاظ على أمن إسرائيل2) محاربة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة3) جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل4) ضمان أمن الطاقة والحفاظ على تدفق النفط بأسعار مناسبة .- هناك تحوّلاً ما يمكن أن يحدثه رئيساً ما عند وصوله إلى الرئاسة، ولكن الفارق بين رئيس ورئيس هو في الأولويات والبرامج والموارد والأدوات.كما تجدر الإشارة، بأن اكثر من استفاد من ولاية ترامب هي إسرائيل، ترامب كان أفضل ما حصل للصهاينة منذ زمن بعيد، كل الإدارة المرتبطة بملف الشرق الأوسط كانت من عتاد اليمين المسيحي المتطرف، وهذه الإدارة هي من أدارت الشرق الأوسط، وأدارته من منظار إسرائيلي للمصالح الأمريكية، ولكن الديمقراطيون ينظرون إلى الشرق الاوسط من منظار أمريكي، وهذا هو الفارق بين بايدن وترامب.- أما رؤية بايدن لقضايا الشرق الأوسط يمكن تناولها على النحو التالي:

أ- إسرائيل والقضية الفلسطينية:يؤيد بايدن إسرائيل، وهو ملتزم بأمن إسرائيل. اما صفقة القرن فقد أصبحت أمراً واقعاً، ولكنه يدعم حل الدولتين للصراع العربي- الإسرائيلي، واستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل، كما سيعاود دعم منظمة الأنروا….ولن يعترض عن نقل السفارة الامريكية الى القدس وسيعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ب- ازمات المنطقة وصراعاتها:يرى بايدن ضرورة استمرار الوجود الأمريكي في المنطقة والإنخراط الفاعل في حل أزماتها، ولهذا عارض قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية من شمال سوريا واعتبره خيانة للأكراد.

ج- الحرب ضد التطرف والإرهاب:يرى بايدن بأن التنظيمات الإرهابية المتطرفة تشكل تهديداً للمصالح الأمريكية في المنطقة، وخاصة تنظيمي داعش والقاعدة.

د- الموقف من الإسلام السياسي:يعتبر بايدن بأن جماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الأخوان المسلمين هي جماعات معتدلة، لهذا دعمت إدارة أوباما وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر بعد الربيع العربي.

ه‍- الملف النووي الإيراني:في حقبة أوباما، ذهب إلى مقاربة تقوم على أنه بدل الضغط على إيران، نقوم بنوع من التسوية في الملف النووي الإيراني، نضغط على حلفاء إيران وليس على إيران نفسها ونحاول أن نخترق الداخل الإيراني.إن بايدن يميل إلى مقاربة أوباما، ويرى بأن الولايات المتحدة يجب أن تعود إلى الإتفاق النووي مجدداً، لأن البديل هو الحرب، وإذا استمرينا في هذا الواقع الحالي، فنحن لا نضمن بأن إيران لا تصنع قنبلة نووية، ولايمكن إيقاف القنبلة النووية إلا بالحرب….

لذلك يجب أن نعود للإتفاق النووي ولكن أن يكون معدلاً ببعض الشروط المرتبطة بالمهل الزمنية في ما يخص القضايا النووية.

– كما تعهد ترامب أيضاً في حال فوزه بأنه سيذهب للتفاوض مع الإيرانيين، ولكن شروط التفاوض تختلف من رئيس إلى رئيس، الأولويات في التفاوض تختلف من رئيس إلى رئيس، أولويات بايدن هي الإتفاق نفسه والشروط التي لها علاقة بالمهل الزمنية، اما أولويات ترامب كانت هي الحديث عن الدور الإقليمي لإيران.

وهذا ما أثار مخاوف الخليجيين، ورأوا بأن هذا المشهد قادماً،وأن الذهاب إلى الإتفاق مع إيران سيحررها من هذه الضغوط، لذلك سارعوا إلى التطبيع، وهذا التطبيع هو بمثابة خطوة استباقية لعودة إيران إلى الساحة الإقليمية بشكل اقوى وخروجها من عزلتها.

والقيادة العالمية والمنظمات الدولية:لقد أدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد ترامب إلى تراجع مكانتها الدولية، فهو لا يفضل بأن يكون جزءاً من المبادرات متعددة الاطراف، وبدل نهج أميركا أولا إلى أميركا فقط في علاقاته مع حلفاء الولايات المتحدة حول العالم.

أما بايدن، سيعمل على إعادة الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم والشراكة مع الحلفاء وليس الإنكفاء على الذات وتبنى شعار اميركا اولاً، وسيقوم بإعادة بناء الثقة مع حلفاء الولايات المتحدة وسيقوم بدعم المنظمات الدولية وسيعود الى الإتفاقيات الدولية التي تخدم الولايات المتحدة الأمريكية، والتعاون المتعدد الأطراف.

– إن اكثر الدول التي ستضرر من مجيء بايدن هي السعودية وتركيا وروسيا، فبالنسبة إلى السعودية يتوعد بايدن السعودية بوقف الدعم عنها وتفعيل مسار المحاسبة تحديداً في عملية اغتيال خاشقجي التي يتهم محمد بن سلمان بمسؤوليته عنها، وسيعمل على إنهاء الدور الامريكي في الحرب على اليمن، والعلاقة مع السعودية ستبقى إستراتيجية ولكن سيعيد تشكيلها وتفعيلها .

أما بالنسبة لتركيا، سيقوم بدعم الاكراد وخاصة اكراد سوريا، وسيقف إلى جانب الأوروبيين فيما يجري بالشرق الاوسط.أما بالنسبة لسوريا، يؤيد بايدن عقوبات قانون قيصر، كما يؤيد الأكراد في سوريا بشكل كبير وسيؤمن لهم إضافة، كما يؤيد الوجود العسكري الأمريكي المحدود.

_ اما بالنسبة لاوروبا، من اولويات بايدن التركيز على اوروبا، وإعادة ترميم العلاقة معها.

_ أما بالنسبة لروسيا، سيكون بايدن عنيداً مع الروس، وسيكون متشدداً معهم ومعارضاً لهم في سوريا، كما سيقوم بتجيير اوروبا بالضغط على روسيا لإبقاء روسيا في وضع محدود سواء اكان اوروبياً او عالمياً.

أما بالنسبة للصين، لعلها من نقاط الإجماع النادرة بين ترامب وبايدن وخلاصتها التشدد، حيث يتوعد بايدن الصين بزيادة الضغط وفرض العقوبات عليها..كما ترامب فإن بايدن يعتبر الصين خصماً إستراتيجياً.

كما يعترف الأمريكيون بخطئهم بالإنغماس في الشرق الاوسط ومشاكله ووحوله ومستنقعاته ثلاثون عاماً، فيما كانت الصين تتمدد حول العالم، إذاً سيكون التركيز عليها لأنها القوة الصاعدة إقتصادياً وعسكرياً.

– خلاصة ما تقدم، إن منطقة الشرق الاوسط تحظى بأهمية كبرى في السياسة الخارجية الأمريكية، ليس فقط لما تمثله من اهمية إقتصادية وجيوسياسية، وإنما لارتباطها بالصراع بين القوى الكبرى على تأكيد المكانة والنفوذ في النظام الدولي، ولهذا فإن هناك ثوابت عامة تنطلق منها هذه السياسة ولا تختلف باختلاف انتماءات الرئيس، ولكن ٱليات وأدوات تنفيذ هذه السياسة هي التي تختلف، فإن الإدارات الجمهورية تميل إلى استخدام القوة الصلبة والعقوبات في مواجهة خصومها في المنطقة، بينما تميل الإدارات الديمقراطية إلى المزاوجة بين أدوات القوة الصلبة والذكية والناعمة في تنفيذ اهدافها في منطقة الشرق الاوسط، لذلك فإن بايدن يسعى إلى استعادة زمام القيادة في منطقة الشرق الاوسط والإنخراط الفاعل في جهود تسوية الازمات والصراعات الدائرة فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى