أخبار إقتصادية

لبنان يختار الصحة على الاقتصاد!

د. علي حمود

فرضت تداعيات فيروس “كورونا” نفسها من جديد، واختار لبنان الصحة على الاقتصاد، بالرغم من انعكاساتها على القطاع الخاص الذي ينازع من جراء الانهيار والسقوط الحر للاقتصاد، وغياب السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، والحوكمة السليمة للحد من الهدر والفساد.
وفي هذا السياق، أشار الباحث في العلاقات الدّولية والاقتصادية علي حمّود، إلى أن التدابير الاقتصادية في بلد لا يوجد Information and communications technology (ICT)، لا نستطيع ان نحدد كمية الضرر الجسيمة التي لحقت بأغلبية الشركات التي لم يتم تسجيلها في البيانات الحكومية. فإن اغلبية الاعمال في لبنان هي شركات صغيرة لا يتعدى عدد الموظفين فيها الـ500، علماً ان عدد هذه الشركات تشكل 90% من المؤسسات، وأغلبها تأثر من هذا الوضع ما ادى إلى ارتفاع البطالة.
وأضاف حمود: “بحسب البنك الدولي، ستصل نسبة البطالة إلى 35% والفقر إلى اكثر من 50%، كما أعلنت “منظمة الامم المتحدة” ان نسبة الفقر ستصل إلى اكثر من55%. يذكر ان نسبة الانكماش ارتفعت من 6.2% إلى 19.2% في أواخر 2020، ومن المرجح ان ترتفع اكثر بسبب السياسات غير المستدامة.
وقال: “على الرغم من اننا في الاقفال الثالث، لا تزال الدولة غائبة عن اتخاذ سياسات صحيحة لكي نحمي اقتصادنا والناس من وباء “كورونا”. فالاغلاق التام الذي فرضته الدولة له تأثير على الاستثمار التجاري، مع عوامل اضافية كتقلب الاسعار وانخفاض الموارد. ومن المرجح ان يصبح اصحاب الاعمال اكثر كرهاً للمخاطرة، والانسحاب من الاسواق، مما يقلل من نفقاتهم من خلال تقليل عدد الموظفين، وإلغاء الاستثمارات المخطط لها..”.
وتابع حمّود، ان “عمليات الاغلاق لم يسبق لها مثيل على مدار التاريخ اللبناني، فنحن نمر في عدة ازمات في آنٍ واحد. ازمة اقتصادية، وانفجار مرفأ بيروت الذي كان يشكل ركيزة اساسية في الاقتصاد الوطني، رغم تراجع نشاطه في الآونة الاخيرة، حيث أظهرت آخر الاحصاءات انخفاضاً سنوياً بنسبة 94.45% في عائدات المرفأ إلى 99.77 مليون دولار بحلول تشرين الثاني2020. وأزمة جائحة “كورونا” زادت الازمة المالية تعقيداً بشكل اساسي وأدت إلى حدوث ركود اقتصادي مصطنع (نحن اتخذنا قرار الاقفال من اجل سلامة المواطنين)، هذا الامر سيسبب كساداً وانخفاضاً في الناتج المحلي الاجمالي للفرد وزيادة في التضخم الذي وصل إلى319.58%. بالاضافة إلى تحليق الدولار بسبب الفجوة المالية وعدم وجود حلول جديدة، بانتظار الحل السياسي.

وأوضح حمّود ان الاغلاق التام له تأثير على التجارة، فإن الاقتصاد ليس بآلة ولا يمكن التحكم به حسب الرغبة، ولذلك لا يمكن إعادة فتح العديد من الشركات التي أغلقت أبوابها بشكل دائم، وبالنسبة للشركات الاخرى فإن استعادة مستويات الانتاج السابقة ستكون مهمة شاقة، إن أمكن.
ولفت إلى ان الوباء تسبب بدرجة معينة من الانكماش الاقتصادي، الا ان السياسات التي اتبعت فاقمت الازمة اكثر، على الرغم من توفر سياسات افضل بكثير، على سبيل المثال ‏تعاملت كل من الدنمارك والسويد والنروج والصين مع عملية الإغلاق لمواجهة فيروس كورونا، وفق سياسات مدروسة تمامًا، حيث اعتمدت السويد على وعي الشعب للتصرف بمسؤولية، فيما قدمت كل من الدنمارك والنروج والصين استراتيجيات استباقية وإجراءات صارمة لمكافحة انتشار الفيروس.‬‬‬
وقال حمّود إن الصين استخدمت قيوداً صارمة، وفي مدينة مثل ووهان، كانت النتيجة إصابة واحدة في اليوم. بالاضافة إلى ذلك، فإن الصين البلد الوحيد في العام 2020 الذي ارتفع نموه الاقتصادي بنسبة 2.3% .في وقت جميع دول العالم كان نموها سلبياً.‬
وأضاف ان فتح البلد وإعادة إغلاقه له تأثيرات على الشركات التي ليس لديها القدرة ولا تستطيع العمل على نطاق واسع، وليس لديها القدرة على تحويل وظائفها بسهولة على اساس العمل في المنزل، والنتيجة كانت دماراً وخسارة تعسفية لهذه الشركات.
وقال: “كان يمكن للبنان ان لا يضر القطاع السياحي (فنادق،مطاعم..)، ويكتفي فقط بإغلاق الملاهي الليلية ويتم التعويض بنسبة 60 مليون دولار، مع العلم ان الاغلاق سوف يكلف الاقتصاد خسائر اكثر من 500 مليون دولار. اضافة إلى غياب الدعم والتحفيز للقطاعين الزراعي والصناعي الذي خصص له (اي الصناعة) مبلغ 9 مليارات ليرة، ويعتبر هذا المبلغ ضئيلاً بالنسية لسعر الصرف في السوق الموازية الذي يتراوح بين 8840 و8890 ليرة لكل دولار. فهذان القطاعان يجب ان تتم حمايتهما جمركياً وإعطاءهما تحفيزات”.
ورأى حمّود انه بسبب عدم وجود سياسات صحيحة أصبحنا نعتمد ونتوسل الدول المانحة و”البنك الدولي”، ونعيش فقط على الهبات والتسول، وعلى السلة الغذائية بدلاً من استثمار الادمغة، والسعي إلى استقلالية القضاء… فنحن نعاني اليوم من هروب الادمغة في جميع القطاعات.
ختاماً، انعكست الازمة الاقتصادية والمالية على نمط حياة المواطنين، وأصبحوا في حيرة بين الصحة والمعيشة، فتُرك المواطن وحيداً في ظل غياب المسؤولين، بعكس ما فعلت باقي الدول. يذكر ان القدرة الشرائية انخفضت بنسبة 60% نتيجة فقدان الليرة اللبنانية ثلثي قيمتها أمام العملات الصعبة، فيمكن القول إن لبنان اليوم يعيش أسوأ أزمة منذ 40 سنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى