مقالات

دور رئيس الجمهورية والرئيس المكلف في تشكيل الحكومة

من المهام الأساسية للدستور في أيّ دولة أنه يحدد الصلاحيات للسلطات الدستورية، التشريعية والتنفيذية، ويرسم لها حدودآ وشروطآ وإجراءات لممارستها، وقد يحصل أن تشترك السلطتان التشريعية والتنفيذية في القيام بإحدى الآليات المنصوص عليها في الدستور، ومنها عملية تشكيل الحكومة.

في بريطانيا على سبيل المثال، ليس هناك من دور للبرلمان فيما يخص عملية تشكيل الحكومة، فالملكة تعيّن زعيم الأكثرية البرلمانية رئيسآ للحكومة(الذي يُسمّى الوزير الأول)، حيث يمكن القول أن الوزير الأول يتم اختياره فعليآ ليس من قبل الملكة بل من قبل الناخبين، ذلك أن الناخب البريطاني لا ينتخب في الإنتخابات النيابية نوابه فقط، بل حزبه ورئيس حزبه الذي سيكون زعيمآ للأغلبية البرلمانية، وبالتالي رئيسآ للحكومة.

عملية تشكيل الحكومة في لبنان تشترك فيها السلطتان التشريعية والتنفيذية،وتبدأ بتسمية رئيس الجمهورية للرئيس المكلف بناءً على الإستشارات النيابية التي يجريها مع أعضاء السلطة التشريعية(النواب)، ثم يأتي دور الرئيس المكلف لوضع التشكيلة الحكومية التي يجب أن تحظى بموافقة رئيس الجمهورية.

في هذا السياق تنص المادة (٥٣) من الدستور على أن رئيس الجمهورية يصدر بالإتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة، أي أن هذا المرسوم يحتاج إلى إجراء شكلي دستوري وهو توقيع رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، فعندما يقدّم الرئيس المكلف تشكيلته الحكومية لا يمكن أن تتشكل الحكومة من دون أن يكرّس رئيس الجمهورية موافقته عليها من خلال توقيعه على مرسوم التشكيل، أي أنه وفقآ لمنطوق المادة (٥٣) من الدستور على كل من الرئيسين الإتفاق مع الآخر لاكتمال تشكيل الحكومة من دون أي تفرّد، حيث يأتي تأليفها كنتاج وتوافق مشترك بينهما.

إن رئيس الجمهورية في هذه الحالة عندما يصدر المرسوم يعتبر شريكآ في عملية التأليف إستنادآ إلى موقعه الدستوري، والدور الذي أعطاه إياه الدستور، ولا يمكن اعتبار موافقته وتوقيعه على المرسوم مجرّد(يوقع أو لا يوقع)، نعم صحيح أن التعديلات الدستورية التي أجريت على الدستور في العام(١٩٩٠) قد قلّصت كثيرآ من صلاحيات رئيس الجمهورية، لكنها أبقت له مجموعة من الصلاحيات التي يمارسها ولكن إنطلاقآ وانسجامآ من موقعه الذي نصت عليه المادة(٤٩) من الدستور بقولها( رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على إستقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه).

وبالتالي ينيط به الدستور واجبآ مقدسآ وهو احترام الدستور، لأنه الشخص الوحيد الذي يؤدي اليمين الدستورية أمام المجلس النيابي، ومن ضمن هذا الدستور المادة (٩٥) التي تنص على أنه تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة، وهذا أمر لا شك سوف يحرص عليه رئيسي الجمهورية والحكومة، فصلاحية توقيع رئيس الجمهورية على مرسوم التشكيل لا تشكل انتقاصآ من مكانة ودور رئيس الحكومة المكلف، الذي يعتبر أساسآ شريكآ هامآ وكاملآ في التشكيل، وتوقيعه على المرسوم يبقى شرطآ جوهريآ لصحة واكتمال عملية التشكيل.

قد يطرح التساؤل حول دور المجلس النيابي على هذا الصعيد، لكن وفقآ لمقدمة الدستور، فإن الفقرة(هاء) منها تنص على أن النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.

فدور المجلس النيابي يقتصر فقط على الاستشارات النيابية لتسمية الرئيس المكلف ومن ثم لاحقآ إعطائه الثقة للحكومة عندما تتشكل من أجل أن تمارس كامل صلاحياتها، لذلك ليس للمجلس أيّ صلاحية بشأن عملية التشكيل التي تبقى محصورة بين رئيسي الجمهورية والحكومة، كما قد يطرح التساؤل حول سحب التكليف من الرئيس المكلف، في هذا السياق نقول أنه لا وجود لنص دستوري، أو عرف دستوري، يجيز للمجلس النيابي الصلاحية بسحب التكليف من الرئيس المكلف، الذي يبقى تكليفه قائمآ إلى حين إعتذاره شخصيآ(إذا أراد) عن الإستمرار في عملية التأليف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى