مقالات

ضياع الوطن الجميل

د. محمد حسن خليفة

تمر الأيام والسنين ثقيلة علينا، بمواجعها وهواجسها وهمومها،
وفي كل مرة يتلاشى الأمل، بولادة وطن جديد يليق بأبنائه،
وها نحن نسقط في مستنقع الصراعات المعقدة داخلياً وخارجياً، التي أنهكت الوطن بسياسة المحاور والأطماع والفساد، فانهارت مبادئه وقيمه واقتصاده، وتعطلت علاقات فئاته الاجتماعية، وتعرض لأسوأ أزمة مالية ونقدية، فضاعت حقوق الناس، وتبددت ودائعهم، بعدما أصابت الأزمة في القطاع المصرفي مقتلاً، فانكشف لبنان أمام الخارج، ما سمح بتمدد التدخلات، لفرض أجندة سياسية واقتصادية مشبوهة.
في خضم هذه الأزمات، ظل المواطنون يخترعون الأمل بالخلاص، رغم تداعيات تلك الأزمات على أوضاعهم المعيشية والاجتماعية، وجاءت جائحة كورونا لتقضي على أي أمل بحل المشاكل التي يعاني منها لبنان، وساهم انتشار الفيروس وتزايد أعداد الإصابات والوفيات في تعطيل النشاط الاقتصادي، والضغط على المؤسسات والشركات والمصالح التجارية نتيجة هذا التعطيل، بحيث عجز الكثير منها على الاستمرار، ليعيش العامل والموظف بين مطرقة التسريح وسندان تخفيض الأجور والرواتب، بالإضافة لتدهور قيمة العملة الوطنية، والدخول في حلقة مفرغة من ارتفاع الأسعار والتضخم، ووقوف الدولة عاجزة عن الإيفاء بديونها، أو الاستمرار في تقديم الفوائد على تلك الديون، وتعلن صراحة عن هذا العجز، فتتفاقم الأزمة نتيجة انعدام الثقة الدولية، فتتوقف عجلة التدفقات المالية من الخارج، ما يؤسس لأزمة عجز حاد في ميزان المدفوعات، الذي يعاني أساساً من عجز دائم، وكانت التوظيفات المالية الخارجية والداخلية، تخفف من وطأة هذا العجز، وتؤخر الانهيار المحتم، كل ذلك أدخل البلاد في نفق مظلم، يبدو الخروج منه ضرباً من المستحيل.
عاش المواطن في ظل أزماته الصحية والاقتصادية والاجتماعية، منتظراً حلولاً تبدو صعبة، نتيجة الصراعات في المنطقة، وتسارع الأحداث، والضغوطات المتبادلة بين الدول الكبرى، وتداخل العلاقات الدولية، وهشاشة التحالفات وسرعة تبدلاتها، وكانت مفاجأة تلك التبدلات، قيام العديد من الدول العربية والإسلامبة إلى عقد اتفاقيات مع إسرائيل، لتدخل في مسارات التطبيع بشكل متسارع ومفاجىء، ويحدث ذلك قبل التوصل لحل القضية الفلسطينية، ما أحدث إرباكاً في العديد من الدول وبينها لبنان، فتتعقد الأمور في المنطقة، وتدخل في مرحلة خطيرة، بانتظار تداعيات الأحداث، وترقب نتائجها السياسية على الساحة الدولية.
لقد تحول لبنان إلى ساحة للصراعات، بعد ارتباط معظم القوى السياسية بالخارج، وهو الذي دفع ثمناً كبيراً لتمسكه بالقضية الفلسطينية، وتحمل أعباء اللجوء الفلسطيني بانتظار حل القضية الفلسطينية، وبعد الحرب السورية، كتب على لبنان أن يدفع ثمن تداعيات تلك الحرب، على الصعيدين الأمني والاقتصادي، فاستنزفت موارده وخدماته وبنيته التحتية، ووضع بمواجهة داخلية وخارجية في مقاربته للتعامل مع أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري، بحيث اختلطت مساعي العودة بين الاستغلال الخارجي لهذا النزوح، وضرورات البلد الاقتصادية والأمنية لتأمين العودة، والتخفيف من حدة الأزمة التي يعيشها، فمرت حوالي عشر سنوات على الحرب السورية، ولا تظهر أية بوادر لانتهائها، وعودة الأوضاع إلى طبيعتها، بسبب تشابك مصالح الدول المنغمسة في تلك الحرب، بحيث ارتبطت أزمات المنطقة في ما بينها، وهي تنتظر الاتفاق على الحل الشامل للملفات، التي من ضمنها قضية الصراع العربي الإسرائيلي، الذي تحول مع الوقت، إلى صراع فلسطيني إسرائيلي، ووصل الأمر لمسارعة العديد من الدول العربية لحل مشاكلها على حساب تلك القضية، وإفقادها للإجماع العربي، الذي يعاني أصلاً من التفكك والتناقض والتناحر، ما أفقد العرب سلاح المواجهة، ونجحت الدول الكبرى في جرّهم للحلول المنفردة، واستفرادهم وابتزازهم وتهديدهم، وفي النهاية إخضاعهم للشروط الخارجية، ودخولهم في حروب مستقبلية، وفق حسابات الدول الكبرى، وانتظار التسويات في المنطقة، مع ما تحمله من خسائر كبيرة، ستكلف الدول تهديداً للاستقرار، وإنهاك اقتصاداتها ومواردها وثرواتها، وكل ذلك يحصل، والشعوب العربية تعاني من التهميش والتجويع والترهيب، ما يعني استحالة إصلاح أنظمتها السياسية، وتعزيز حقوق المواطنين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والخشية من دخولها في صراعات سيادية، تنهي المصالح المشتركة، التي حافظت رغم المصاعب على السعي لتحقيقها، أسوة بالتكتلات الإقليمية، وتفاقم تلك الصراعات سيفقدها قوة المفاوضة، في تعزيز حضورها الدولي، ويعرضها للاستنزاف في موازناتها، ويوسع من تبعيتها الاقتصادية والسياسية.
وفي ظل أجواء المنطقة المشحونة، وتحت ضغط الحروب المجنونة، وقع إنفجار مرفأ بيروت، ليحدث صدمة كارثية، شكلت علامة فارقة في تاريخه الحديث، ووضعته في مصاف الدول المنكوبة، وكشفته أمنياً بعد توافد الوفود العسكرية الأجنبية، وإجراء تحقيقات بذريعة مساعدة السلطات اللبنانية، لكشف حقيقة الإنفجار، الضائع بين كونه نتاجاً للفساد المستدام أو حادثاً مفتعلاً بأدوات خارجية أو داخلية، كل ذلك، أدخل لبنان في خانة الدول الفاشلة، ومسارعة الخارج لتأمين مساعدات إنسانية مشوبة بالتسول والإذلال، وامتناع معظم الدول والجهات الخارجية عن تقديم تلك المساعدات للوزارات أو المؤسسات الحكومية، وتقديمها للجمعيات الأهلية، ما يفقد الدولة هيبتها، ويعاظم من انعدام الثقة بأجهزتها الرسمية، ما فتح الباب واسعاً للمزيد من التدخلات، في ظل اهتراء السلطة والأحزاب السياسية التي تفرض سيطرتها على مفاصل تلك الأجهزة، الغارقة في متاهات التحقيقات القضائية، وتنازع الصلاحيات بين أكثر من جهة قضائية، واحتدام الخلاف الذي يؤشر لانهيار التحقيق، عبر إدخاله في المتاهات السياسية، وعجز المحقق العدلي والجهاز القضائي، عن القيام بتحقيق سريع وعادل، لكشف ملابسات الانفجار الكارثي في المرفأ، وعودة نغمة التحقيق الدولي للداخل اللبناني، الذي لم تندمل جراحاته بعد من مسارات المحكمة الدولية، في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وتأخر صدور الأحكام أو صعوبة تنفيذها، ما أفقد تلك المحكمة ثقة معظم الأطراف، واستنزاف مصداقيتها وفعالية أعمالها.
لقد قوّض انفجار مرفأ بيروت هيبة الدولة وسيادتها، وترك المواطنون المفجوعون لمصيرهم المجهول، وزاد من يأسهم في وصول التحقيق لأية نتيجة عادلة، تخفف من معاناتهم وجراحاتهم، وتجعل من الشهداء والجرحى قرابين لولادة وطن جديد، تسوده العدالة والقانون، وتوقف انهياره وتستنهض مؤسساته، لكن المؤسف أن الدماء التي سقطت، والدمار الذي حل بمنطقة المرفأ، لم يغير من سلوك السلطة الحاكمة، أو يساهم في إنقاذ الوطن الجريح.
الحديث عن مأساة لبنان وأزماته لا ينتهي، وبارقة الأمل مفقودة، والرغبة في تحقيق الإصلاحات مصابة بالخيبة، فلا القضاء مؤهل لإحداث التغيير، واستعادة الحقوق ومعها هيبة الدولة، ولا السلطة عازمة على القيام بخطوات جدية لاستعادة الثقة، وهي عاجزة حتى عن تكوين السلطة، واستخدام الدستور ذريعة للتعطيل، فيصبح تكليف رئيس لتشكيل الحكومة عملاً خارقاً، يحتاج لمعجزة كي يحصل، وإذا حصل، فالجميع ينتظر خوض مبارزات ساخنة، تجعل من التأليف مسألة كونية، تتطلب انتظار التسلم والتسليم بين رؤساء الدول الكبرى، أو انتظار الحلول الشاملة لقضايا المنطقة، فيستمر تصريف الأعمال، من قبل حكومة فاشلة أو عاجزة أو ممنوعة من تحقيق الإصلاحات، حتى وصلنا لمرحلة خطيرة، تفتح أبواب الجحيم والهجرة، وتطرق باب الحرب الأهلية، التي قد تشعلها جولات الصراعات الطائفية، تحت عنوان المحافظة على حقوق الطوائف، أو التخويف بعقد مؤتمر تأسيسي، يترجم موازين القوى الداخلية، المرتكزة على الاستقواء بالخارج، أو المطالبة بتعديل اتفاق الطائف، وإزالة الغبن اللاحق ببعض الطوائف، والدخول في متاهة استعادة الصلاحيات، ويحصل ذلك والبلد غارق في آلامه، وفي معاناة معظم أبنائه من الفقر، وانتهاك أبسط حقوقه في العيش الكريم، وغياب مبدأ المشاركة والمساءلة، وتقاعس ممثليه عن تحقيق طموحاته وآماله بمستقبل واعد،
ورغم ذلك، يبقى معززاً بالصبر، مخترعاً الحلم بوطن أفضل.
هذا الشعب يستحق من حكامه القليل من المسؤولية، لأنه قدم الكثير من التضحيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى