دراسات وابحاث

السلطة المطلقة للمجلس النيابي في حقل التشريع حتى في ظل حكومة مستقيلة

المحامي د. وسام صعب

هل من الجائز دستورياً لمجلس النواب التشريع في ظل حكومة مستقيلة أو خلال العقد الثاني لانعقاده المخصص للبحث في الموازنة والتصويت عليها…

بادىء ذي بدء يفترض النظام البرلماني تعاون وثيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولكي يمارس البرلمان مهامه التشريعية والرقابية لابد من وجود حكومة مسؤولة أمامه . لذلك تقر معظم الدساتير البرلمانية للوزراء حق حضور جلسات البرلمان وحق التكلم أثنائها. ونادراً ما ينعقد البرلمان في جلسة دون حضور الحكومة أو ممثلين عنها…
وعلى هذا فإن الفقه الفرنسي مجمع على ضرورة إمتناع المجلس عن الإجتماع أثناء الأزمات الوزارية، أي في الفترة الواقعة بين استقالة أو إقالة الحكومة وتأليف حكومة جديدة…
في لبنان لم يتطرق الدستور الى هذا الموضوع بشكل مباشر، ولكن اذا كان امتناع المجلس عن الاجتماع في أثناء الأزمات الوزارية العادية أمر مقبول ومعقول، فما هو الموقف في حال امتدت الأزمة أشهراً دون تشكيل حكومة، وتعطلت عجلة الحكم، وتعرضت مصالح البلاد للخطر؟
في هذه الحالة، يجيب الاستاذ أنور الخطيب، بأن اجتماع المجلس لا يكون قانوني ودستوري فحسب، بل يصبح لازماً ولا غنى عنه.
(المجموعة الدستورية – دستور لبنان – ص. 435 – 437).
لذا، فإن القول بعدم دستورية أو عدم قانونية جلسات مجلس النواب في ظل حكومة تصريف أعمال، قد يكون خطيراً خصوصاً إذا ما طال أمد فترة تصريف الأعمال وهو ما اعتدنا عليه في لبنان، فالمادة 69 من الدستور جاءت تنص على انه “عند استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، يصبح مجلس النواب حكماً في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة!؟
فهذه المادة وبالصيغة التي أتت عليها ألزمت الانعقاد الحكمي والاستثنائي لمجلس النواب دون أن تشير أو تحدد طبيعة عمل المجلس طيلة تلك الفترة اللاحقة للاستقالة.. وهذا بطبيعة الحال قد خلق التباساً في التفسير وأوجد انقساماً في الرأي بين الفقهاء حول طبيعة عمل المجلس النيابي في دورة انعقاده الاستثنائية…
انطلاقاً من هذا الواقع انقسمت الآراء الفقهية بين مؤيد لممارسة المجلس النيابي كافة صلاحياته في هذا العقد، وبين رافض لذلك، معتبرين أن صلاحية المجلس تقتصر على منح الثقة للحكومة الجديدة دون أي عمل آخر. ولكن اذا طالت فترة تصريف الأعمال وتجاوزت الحد المسموح به يصبح من الواجب إعلاء مبادىء دستورية لحماية مبدأ دوام الدولة ومؤسساتها الدستورية وتطبيقاً لهذه القاعدة جاء المجلس الدستوري ليؤكد وفي أكثر من مناسبة على ضرورة تأمين مبدأ استمرار السلطات الدستورية منعاً لحدوث أي فراغ فيها واعتبره مبدأ ذو قيمة دستوري لتغطية الفراغ الناجم عن كون الحكومة في حالة تصريف أعمال، وأنه لو أراد المشرع تقليص صلاحيات مجلس النواب وحصرها في موضوع التصويت ومنح الثقة للحكومة الجديدة فقط لكان فعل ذلك صراحةً كما فعل في المدة 77 من الدستور التي تمنع على مجلس النواب تقديم اقتراح لتعديل الدستور في عقد استثنائي أو كما فعل في المادة 84 التي تمنع على المجلس خلال مناقشة الموازنة ومشاريع الاعتمادات الاضافية او الاستثنائية أن يزيد الاعتمادات المقترحة عليه من الحكومة في مشروع الموازنة أو في مشروع الاعتمادات المذكورة، ما يعني أن مجلس النواب يبقى محتفظاً بكافة صلاحياته التشريعية لدى انعقاده في دورة استثنائية في ظل حكومة مستقيلة على اعتباره سلطة سيادية لا يحد من اختصاصه سوى صراحة النصوص الدستورية.
وفي السياق نفسه فقد أعطى الدكتور ادمون رباط وهو من كبار الدستوريين في لبنان رأيا دستوريا حول الموضوع لدى سؤاله عما إذا كان يحظر التشريع في ظل حكومة مستقيل فكان جوابه أن مجلس النواب قد سار ومنذ فترة طويلة على عقد جلسات تشريعية في ظل حكومة مستقيلة ما دامت السلطة الاشتراعية قادرة على ممارسة مهامها الدستورية في حقل التشريع.
كذلك فقد رأت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل في استشارتها رقم 478/2005 تاريخ 7/7/2005 انه لا مفر من وجود سلطة مناط بها تأمين استمرارية وديمومة الحياة الوطنية بين تاريخ استقالة الحكومة وتاريخ تأليف حكومة جديدة وان المبدأ الاجتهادي العام الذي جرى تكريسه كتابةً بنص دستوري في لبنان هو المادة 69 من الدستور. والمجلس النيابي وبمجرد انعقاده يكون متمتعاً بصلاحياته كاملةً، غير منقوصة، ويبقى محتفظاً بكامل صلاحياته للتشريع بمجرد انعقاده حكماً بصورة استثنائية عند اعتبار الحكومة مستقيلة وذلك سداً لأي فراغ. وتكون الهيئة المذكورة بذلك قد أفتت بصحة التشريع في ظل حكومة مستقيلة ..
لذلك وبناءً عليه، ليس من الجائز دستورياً تضييق صلاحيات المجلس النيابي في حقل التشريع (في ظل حكومة مستقيلة) إلا بنص صريح وواضح لا لبس فيه وذلك حفاظاً على مبدأ دوام الدولة واستمرارها وهو من المبادىء العامة للقانون التي كرستها اجتهادات المحاكم الدستورية والإدارية في فرنسا والتي أصبح لها قيمة النصوص الدستورية.
ويبقى أن نشير اخيرا الى أي مدى يبقى المجلس النيابي محتفظاً بصلاحياته التشريعية خلال العقد الثاني لانعقاده المخصص للبحث في الموازنة والتصويت عليها لاسيما وأن الدستور اللبناني جاء واضحاً لهذه الناحية حينما خصص جلساته في هذه الفترة من الانعقاد للبحث في الموازنة والتصويت عليها قبل كل عمل آخر .
نلفت في هذا السياق أن المجلس النيابي لا يتقيد كثيراً بهذه القاعدة الدستورية حيث يتم خلال دور الانعقاد الثاني دراسة وإقرار مشاريع اقتراحات قوانين بإعتبار ان دراسة الموازنة تكون بين أيدي اللجان البرلمانية وليس أمام الهيئة العامة . وفي هذه الحالة ليس في الأمر أي شائبة دستورية او مخالفة لمقصد النصوص ذلك ان

روح النص تعني أنه عند انكباب المجلس على دراسة مشروع الموازنة( أمام الهيئة العامة) بعد انتهاء اللجان النيابية من دراسته، عليه اي مجلس النواب ان يستمر في دراستها والتصويت عليها حتى اقرارها قبل أي عمل آخر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى