مقالات

ماذا لو تنحّى القاضي فادي صوّان؟

ناريمان شلالا

بعد خمسة أيّام على وقوع إنفجار 4 آب 2020، وُعد اللبناني بأنّ التحقيقات ستأخذ مجراها للكشف عن المسؤول أو الجهات المسؤولة، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن وقوع هذه الجريمة البشعة. وعلى الوعد يا كمّون، بقي الشعب اللبناني حتّى تاريخه بانتظار أن تعلن السلطات عن مجريات ونتائج التحقيقات، لمعرفة هويّة المرتكبين والمتورّطين.
بين الأخذ والردّ الذي رافق القضية، ضاعت بوصلة الصلاحيّات كما جرت العادة في لبنان. وفي دولة يتآكلها الفساد، وتخلخل هرميّتها المحسوبيات، ليس مستغربًا بأن تتحوّل مأساة أهالي الضحايا والجرحى والمنكوبين، إلى فرصة لاستعراض النفوذ السياسي ولكسب الشعبوية ولشدّ العصب الطائفي.

بادر وباشر القاضي صوّان في تحقيقاته وادّعاءاته واستجواباته في إنفجار مرفأ بيروت، تلبية لمطلب المواطنين. هو كما الجميع، يعلم بأنّ مساره سيكون صعبًا، وهو يدرك تمامًا بأنّه سيصطدم بالحصانات التي يفرضها القانون والدستور اللبناني، غير أنّه اتّخذ القضية على عاتقه على أنّها “قضية العمر”. بين مؤيّد ومعارض لصوّان، تطلق السجالات القانونية والسياسية عنانها، فهل ستزيده تصميمًا على المضي قدمًا أم أنّها ستضعف عزيمته؟

ماذا لو تنحّى المحقق العدلي؟

بحسب رئيس مؤسسة جوستيسيا الحقوقية الدكتور بول مرقص، سبق أن حصلت حالات كثيرة من التنحّي أو ردّ القضاة، لاسيّما في العام 2007، مع المحقق العدلي في قضية إغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وعدد من المدنيين. لكن ذلك وإن حصل، فسيكون بمثابة صفعة جديدة للتحقيق بعد الصفعة الأولى المتمثّلة بالإرباك في تعيينه في بادىء الأمر، كما وأنّ التنحّي عن القضية سيؤكّد على أنّ السياسة تسيطر على القضاء اللبناني.

يلحظ المرجع القانوني، أنّه كان من الواجب طلب رفع الحصانة عن النواب المدّعى عليهم وطلب إذن استجواب المحامين من نقابتهم كمدّعى عليهم قبل الملاحقة. ويسأل هل كان ليتجرّأ أحد المسؤولين السياسيين الحاليين أو السابقين في فرنسا أو حتّى في إسرائيل، على المثول أمام القضاء مخطئًا كان أم مصيبًا هذا  القضاء؟ ولعلّ آخر الأمثلة، مع الفارق في التشبيه، نيكولا ساركوزي المتّهم وايهود أولمرت المدان. فكيف الحال إذا كان المطلوب مثوله مدّعى عليه؟ ولماذا وجدت الدفوع الشكلية إذا؟ أليست للمناقشة في اختصاص قاضي التحقيق أو المحقق العدلي؟ من هنا يتأمّل الدكتور مرقص، بأن يستكمل القاضي صوّان مساره في التحقيق لكي يعيد للقضاء اللبناني بريقه.

لعبت المحسوبيّات لعبتها

في المقابل، ترى مصادر قضائية، أنّه لم يعد أمام المحقق العدلي خيارًا سوى التنحّي حفاظًا على ماء الوجه، لكونه يدرك بأنّ القضية أكبر من حجم القضاء اللبناني على كافة المستويات. تحتّم المصادر بأنّ القضية تستدعي تحقيقًا دوليًّا، بمؤازرة جهات أمنية مختصّة وفريق عمل متكامل، للتوسّع في التحقيقات على أن تشمل الجهات الخارجية التي وضّبت وأرسلت شحنة نترات الأمونيوم إلى بيروت، وصولًا إلى تعقّب التحاويل المالية المرتبطة بهذه الشحنة. من الناحية السياسية، تستبعد المصادر بأن يتمكّن القضاء المحلّي من استكمال مهمّته، لا سيّما وأنّ هناك إحتمال بأن تكون بعض الجهات التابعة لسلطة الأمر الواقع متورّطة. ومن الناحية التقنيّة، فإنّ الطرق والأساليب اللبنانية المعتمدة بدائية، حيث لا زال الإستجواب يكتب باليد، وحيث أنّ قصور العدل لا تشبه القصور بشيء.

تلفت المصادر القضائية إلى أنّ القاضي فادي صوّان يعمل تحت الضغط، وقد قذف بالكرة إلى مجلس النواب عوضًا عن مخاطبة مدعي عام التمييز الذي له سلطة الملاحقة عملًا بمبدأ الفصل بين السلطات. وبعد أن لعبت المحسوبيّات لعبتها وحوّرت الإجراءات عن مسارها القانوني، وإن كان البرلمان هو الهيئة الإتّهامية، فكيف عاد صوّان بعد أسبوعين من مراسلته مجلس النوّاب للإدّعاء والمحاكمة؟
 

إنتشال الجمهوريّة من قعرها

المطلوب إذًا، هو أن تُمارس حقوق الدفاع، وإلّا فلنعلن تمرّد أفراد السلطة السياسية على القضاء.
من جهته يؤكّد وزير العدل السابق إبراهيم نجار، أنّ القاضي فادي صوّان لن يتنحّى ولن يتراجع، بل أنّ الأسماء المستدعية هي من أصل 12 إسمًا، وبالتالي فإنّ المحقق العدلي لا زال في بداية طريقه. ويشير إلى أنّ الكتاب الذي وجّهه صوّان إلى مجلس النوّاب، هو من أجل أن يحفظ حقّه في متابعة مهمّته وأن يقوم باتّهام كل من يلحظه التحقيق من دون أي قيد أو تحفّظ. يعتبر نجّار، بأنّه وبحال تنحّى صوّان فما من شيء سينتشل الجمهورية من قعرها حيث هي اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى