دراسات وابحاث

مطالعة دستورية وقانونية حول قرار المحقق العدلي

د. عادل مشموشي

إن البلبلة التي أثارها قرارُ المُحقق العدلي المُكلف التَّحقيق في انفجار مرفا بيروت والذي قضى بالاستماع إلى رئيس حكومة حالي، ووزراء حاليين وآخرين سابقين، بصفة مدعى عليهم واحتمال ياستدعائه مُستقبلاُ لرؤساء ووزراء سابقين واستماعهم أيضاً بصفة مدعى عليه، أدت إلى نشوب أزمة سياسيَّة نتيجة الانقسام في المواقف بين فريق مؤيد وآخر مؤيِّد باضطراد بحيث يُطالبه بالاستماع إلى رئيس الجُمهوريَّة ،وفريق ثالث رافض لهذا القرار كُليَّاً وتعامل معه وكأنه لم يكن، الأمر الذي أدى إلى إحداث انقسام وربما شرخ عامودي بين المُكونات السِّياسيَّة في البلد.
وتكمن خطورة هذا القرا في كونه بدا وكأنه موجه ضد أفرقاء سياسيين مُعينين على خُصومة سياسيَّة مع رئيس الجُمهوريَّة، بحيث جاء بمثابة أو صفعة طالت جميع الخُصوم السياسيين الأساسيين لرئيس الجمهوريَّة وفريقه السياسي، (إصابة اربعة عصافير بحجر واحد)، وقد يُشكِّلُ سابقة خَطيرة تيهم في تكريس أعراف في تفسير النُّصوص الدُّستوريَّة، كما يخشى استغلاله مُستقبلاً في ظل الإحتقان الحالي لإطلاق مُلاحقات سياسيَّة كيديَّة. 
هذا الإنقسام قد يودي بالبلد إلى مُستنقع من المُماحكات السِّياسيَّة تختلط فيه المصالح المتضاربة، مع النكايات والإبتزاز السياسي، وربما تزيده بلة التدخلات الخارجيَّة الدوليَّة والخارجيَّة كان البلد بغنى عنها، وربما يصعب الخروج منها في المدى المنظور فيما لو أخذنا بعين الاعتبار حرص وإصرار كل فريق من الفرقاء السياسيين وسعيهم إلى تدعيم وتعزيز أدواتهم في التعامل مع الإنتخابات الرئاسيَّة القادمة.
بالعودة إلى نص قانون إنشاء المجلس العدلي نرى أنه أخص المحقق العدلي بصلاحيات قاضي التحقيق من حيث وضعه يده على الملف الذي يحقق به بصورة موضوعيَّة، وبالتالي له الحق في استجواب أي شخص توفرت قرائن وأدلة ضده بصفة مدى عليه ؛ وجعل من قراراته غير قابلة لأي طريق من طرق الطعن، وعليه فإن استماع المحقق العدلي لأي شخص بصفة مدعى عليه أمر طبيعي ،ولكن الاستماع إلى رئيس جمهوريَّة أو رئيس مجلس وزراء أو وزير له أصول خاصَّة، حددها الدستور اللبناني.
وبما أن النصوص الدستوريَّة تتمتع بسموها من حيث المرتبة على كافة النصوص القانونيَّة وغير القانونيَّة سواء كانت إجرائيَّة أم تنظيميَّة، وبالتالي ينبغي العودة إلى هذه النصوص للوقوف على مدى تطرقها للمسألة المثارة، وفي الوقت عينه ينبغي فهم نصوصها وتفسيرها بما يتجانس مع روحيَّتها ككل متكامل، كما ينبغي الأخذ بعين الاعتبار الظروف والموجبات التي أملت إقرارها بصورتها الحاليَّة، وكذلك الأمر بالنسبة لموجبات التعديلات التي طرأت عليها.
بالعودة إلى نص الدستور اللبناني نلحظ أن المواد 60، 70، و71 تطرقت على نحو بيِّنٍ لمُساءلة الرؤساء والوزراء في ما خص الأفعال المجرمة التي قد تنسب لأي منهم، وبالتالي ينبغي العودة إليها في المقام الأول، وإن بقي من غموض يمكن العودة إلى باقي النصوص القانونية ذات العلاقة وحيث لا يوجد نص أو عرف دستوري.
يدعونا موجب التقيُّدِ بروجية النُّصوص الدستورية التوقف قبل كل شيء عند ما نصَّت عليه المادة 65 من الدستور، حيث أناط التَّعديل الذي طرأ عليها أثر اتفاق الطائف السلطة الإجرائيَّة بمجلس الوزراء ، وذلك بعد أن كانت قبل اتفاق الطائف مُشتركة ما بين رئيس الجُمهورية والحُكومة التي كان يُسمي رئيسها من بين أعضائها من دون أن يلتزم بنتيجة الاستشارات التي يُجريها لهذا الغرض وذلك على خلالف الوضع بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني وإقرار تعديلات عام 1990 (اتفاق الطائف) حيث أضحى ملزماً بتسمية الرئيس المكلف بناء على نتائج الاستشارات النيابية الملزمة التي يُجريها.
بحصر السُّلطة الإجرائية بمجلس الوزراء نرى أنه من المنطقي حصرُ المَسؤولية برئيسه والوزراء ،خاصَّة بعد أن بين البند الثاني من المادة 65 المشار إليها صلاحية مجلس الوزراء على نحو مفصَّل، وهذا ما يبدو جلياً أيضاً في نص المادة 60 من الدستور .
وبالعودة إلى نص المادة 60 التي أشرنا إليها نرى أنها أكَّدت على نحو لا يقبل الشك أن لا تبعة  على رئيس الجمهوريَّة حال قيامه بوظيفته بصورة عامَّة باستئناء أمرين: خرق الدستور والخيانة العظمى، ويضاف إليهما الجرائم العاديَّة التي تخرج عن إطار ممارسته لمهامه الوظيفيَّة كرئيس للدولة، ولكن أوجبت اعتمادَ أصول ملاحقته خارج إطار الأصول المُعتمدة حيال الأفراد، بحيث أوجبت أن يُصار إلى اتِّهامِهِ من قبل ثلثي أعضاء مجلس النواب، وحصرت صلاحيَة الفصل بالجريمة بالمَجلس الأعلى لمُحاكمة الرؤساء والوزراء، ويستشف من ذلك وعلى نحو بات أن ملاحقة رئيس الجكهورية لا يمكن أن يباشر بها وتتم إلاَّ بقرار اتِّهامي من مجلس النواب يتخذ بغالبيَّة ثلثي أعضاء المجلس؛ والأمر الآخر يتمثل في النظرة إلى رئيس الجمهوريَّة كموظف (كبير الموظفين في الدولة) إذ وردت عبارة “حال قيامه بوظيفته”، وهذا يدعونا للقياس على رئيس الحكومة والوزراء باعتبارهم موظفين، وأنه في معرض مزاولة مهامهم يتمتعون بصفة موظَّف، وبالتالي أنهم يقومون بأعمال وظيفيَّة قد يرتكبون بمعرضها أو بسببها جرائم تختلف عن إطار الجرائم العاديَّة، والتي قد يرتكبونها خارج إطار مسؤولياتهم الوظيفية كوزراء. ونخلص من كل ذلك إلى أنه لا يمكن اتهام أو ملاحقة رئيس الجمهوريَّة بإخلاله بواجباته الوظيفيَّة في معرض اضطلاعه بمهام رئاسة الجمهوريَّة طبعاً باستثناء خرق الدستور والخيانة العظمى، الأمر الذي يختلف عن حال رئيس مجلس الوزراء والوزراء، وهذا ما يُستشف مما نصَّت عليه المواد 70 و71.
     من الإطلاع على نص المادَّة 70 يتبين لنا أنها أبقت على إمكانية ملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء وفق الأصول العادية بالنسبة للجرائم العاديَّة، أسوة بباقي الأفراد، وعملاُ بأحكام القوانين العامَّة المرعية الإجراء، ولكنها أوجبت مُلاحقتهم أمام المجلس الأعلى في ما خص الخيانة العظمى والإخلال بالواحبات المترتبَة عليهم بحكم موقِعِهم  كل حسب منصبه، رئيس مجلس وزراء أم وزير . إلاَّ أن النَّص بحالته الحاضرة أثار إلتباساً لدى البعض، وربما عمد بعضٌ آخرَ الى تحريف مفهومِ النصِّ للخروج عن روحيَّته وبالتَّحديد عِبارة ” لمجلسِ النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المُترتِّبةِ عليهم”، مُعتبرين أن حرف  اللام (ل) يُشير إلى أن هذه الصلاحيَّة من أختصاص سلطة الإدعاء المنصوص عليها في قانون أصول المُحاكمات الجزائيَّة كأصل واستنسابيَّا لمجلس النواب، ولكن بقرار اتِّهامي يصدر بغالبيَّة ثلثي أعضاء المجلس، ونحن نرى أنه التبس على متبني هذا الموقف أن حرف اللام (ل) يدلُّ على حَصريَّةِ هذه الصَّلاحيَّة بمجلس النُّواب ولكن مع استنسابيَّة استعمالها(من قبله)  فيما لو تمكن المجلس من اتهام المَعني (رئيس مجلس الوزراء أو وزير) بغالبيَّة ثلثي الأعضاء؛  وما يغلب هذا الرأي جملة من الأمور نشير إلى بعضِها:
أ ـ  استعمال المشرِّع لحرف اللام (ل) بالدَّلالة التي تبنيناها لأكثر من مرة في نص الدستور ذاته: 
ـ ما ورد في المادة 43 ” للمجلس أن یضع نظامه الداخلي”.
ـ  المادة 44 ” …….للمجلس ولمرة واحدة، بعد عامین من انتخاب رئیسه ونائب رئیسه وفي أول جلسة یعقدها أن ینزع الثقة من رئیسه أو نائبه ” .
ـ المادة 57 ” لرئیس الجمهوریة بعد إطلاع مجلس الوزراء حق طلب إعادة النظر في القانون مرة واحدة…”
كما نرى ذات النهج أي تبني ذات الدلالة في نصوص قانون أصول المُحاكمات الجزائيَّة، من ذلك ما ورد في المواد التالية: 
ـ المادة  24 “لوزير العدل ان يطلب الى النائب العام التمييزي اجراء التعقبات بشأن الجرائم التي يتصل خبرها بعلمه.”
ـ المادة 15 ” للنائب العام لدى محكمة التمييز ان يراقب….”
ـ المادة 33 ” للنائب العام المالي ان يستعين بالاختصاصيين في الشؤون المصرفية والضريبية والمالية”  وكذلك ” للنائب العام لدى محكمة التمييز ان يطلب، تلقائيا او بناء على طلب النائب العام المالي”
ـ المادة 65 ” لقاضي التحقيق، بعد ان يستطلع رأي النيابة العامة، ان يقرر عدم اختصاصه للنظر في القضية…”
ـ المادة 362 (ق أ م ج) ” للمحقق العدلي ان يصدر جميع المذكرات التي يقتضيها التحقيق دون طلب من النيابة العامة.”
إن كل هذه النصوص سواء كانت دستوريَّة أو قوانين عاديَّة توحي بحَصريَّة الصَّلاحية ،ولكن بجواز استعمالها من عدمه، ومردُّ ذلك إلى أن المشرِّع ترك للسُّلطة صاحبة الصَّلاحية إمكانيَّة تقدير مدى ملاءمة استعمال الإجراء المُصرَّح به لتوفُّر موجباتِه.
تجدرُ الإشارة إلى أن البعض خلط ما بين الجرائم المندرجة ضمن إطار ما ينطوي منها على إخلال بالواجبات المترتبة على رؤساء الوزراء والوزراء، وما بين الجرائم العاديَّة التي يرتكبونها ولا يكون لها علاقة بمهامهم (كرئيس لمجلس الوزراء أو وزير). وفي معرض ملاحقة جريمة انفجار المرفأ نرى أنه لم يكن من موجب لاستماع أي من الرؤساء والوزراء المطلوب استماعهم بصفة مدعى عليه لو لم يكن مُلقى على عاتقهم بحكم مواقعهم الوظيفيَّة من مَهام وما خولوا من صلاحيَّاتِ، وبالتالي إن ما يُنسب إليهم من سلوكيات بغض النَّظرِ عن توصيفِهِا الجرمي يندرج ضمن إطار الإخلالِ بالواجباتِ المترتبة عليهم، خاصَّة وأنهم لم يرتكبوا عَملاً (سُلوكاً إيجابيَّا) أدى إلى حدوث الإنفجار، إنما قد يُنسبُ إليهم الإمتناعُ عن فِعل (سلوك سلبي) وبالتَّحديد الإمتناعُ عن القِيامِ بواجِبٍ مُقرَّر قانونا، والذي ينطوي على قَصد جرمي احتمالي. علماً أن كل ذلك يندرج ضِمن المَهامِ الوظيفيَّةِ، في حين أن الجرائم العادية لا يكون للوظيفة أي تأثير عليها، مثال ذلك أن يدهس أحدهم بسيارته فرداً كان في وسط الشارع بغض النظر عن توفر القصد الجرمي، أو كأن يُطلق أحدهم النار على أحد الأفراد خلالَ رحلة صيد، الأمر المُغاير تماماً لواقع انفجار مرفأ بيروت. وعليه يكون المرجع المختص في النظر بالخيانة العظمى أو الإخلال بواجبات الوظيفة في حال نسب إلى أي منهم (رئيس مجلس الوزراء أو وزير) هو المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء حصراً.
كما تجدر الإشارة إلى أنه لا تصحُّ ملاحقةُ رئيس مجلس الوزراء أو أي وزير خارج إطار الجرائم العاديَّة إلاَّ باتهام من مجلس النواب يتخذ بقرار يحظى بتصويت ثلثي أعضاء المجلس، وهنا تعمَّد المشرِّعُ اعتماد أكثريَّةٍ موصوفة لا مُطلقة، وذلك حرصاً على عدم تعريضِهِم لمُساءلاتٍ كيديَّةٍ أو غير مُحقَّة بهدف النيل منهم أو الضغط عليهم أو التَّعرض لهم على وجه غير مُحق، تماماً كما هو الحال بالنِّسبةِ لرئس الجمهوريَّة، الذي يُمكن ملاحقته دون غيره بجرم خرق الدستور، وثمَّة نقطةُ تمايزٍ أُخرى تتمثَّلُ في أن ملاحقتهم بالجرائم العادية تتم وفقاً للأصول المُعتمدة حيالَ سائر الأفراد وبادعاء من النيابة العامة المُختصة وليس بادعاء من مجلس النواب كما هو الحال بالنسبة لرئيس الجُمهوريَّة.
وينبغي أن نُعير اهتِماماً لما ورد في المقطع الأخير من نص المادة 70 المنوه عنها، والذي اشار إلى وجوب إصدار قانون خاص یُحدِّدُ شروطَ مسؤولیَّةِ رئیس مجلسِ الوزراء والوزراء الحُقوقیَّة، وما يُثير الدَّهشة أن المُشرِّعَ اللبناني لا يزال غافلاً عن هذه المسألة الجَوهريَّة، بحيث أنه كان أولى به العمل على إقرار القانون المحال إليه أمر تحديد مُرتكزاتِ المسؤوليَّةِ الجُرميَّةِ وفقاً لما اشار إليه الدستور.
كذلك ينبغي ألا نُغفل ما ورد في المادة 71 من الدستور، لجهة تحديد الجِهة صاحبةِ الصَّلاحيَةِ للبت في الدعوى الجزائيَّة المبنية على الاتهام الصادر عن مجلس النواب بثلثي أعضائه، حاصرة إيَّاها في المجلسِ الأعلى .
وتوازياً مع الاتِّها، أوجب الدستور كف رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء عن ممارسة مهامهم، وهذا ما أشارت إليه المادتان 61 و72 (د) .
وعليه وبناءً لما تقدَّم نخلصُ إلى أن قرار المٌحقِّقِ العدلي القاضي صوَّان القاضي بالاستماع إلى إفادة رئيس مجلس الوزراء في الحكومة الحاليَّة المستقيلة وبعض وزرائها الخاليين ووزراء سابقين بصفة مدعى عليه في غير محلِّه، ولم يكن موفقاً لما قد يترتب عليه من انعكاسات، كونه يُخالف نص وروحيَّةِ الدستور اللبناني. وكان لمن الأجدى لو قرر الاستماع اليهم كشُهود، ليُقرِّرَ على ضوئها عدمُ صلاحيتهِ في مُلاحَقتِهِم وإن توفرت لديه شبهات  قوية بمساعمتهم بالجريمة، على أن يستكمل التَّحقيق مع باقي المُساهمين في الجريمة الكارثيَّة الطابع، مع إيداع كتاب إلى مجلس النواب بواسطة وزير العدل أو الأمانة العامة لمجلس الوزراء، يَضمِّنه ما توفَّر لديه من معطيات حول ضلوع رئيس مجلس الوزراء في الحكومة المُستقيلة والوزراء الحاليين كما السَّابقين، وانتظار ما سيترتب على ضوء المُستجدات ، خاصة وأن قانون المجلس الأعلى رقم 13\1990 يوجب لكي يصار إلى اتهام الرؤساء والوزراء أن يقدَّم طلب اتِّهام موقَّع من من (1\5) خمس أعضاء المجلس على الأقل، وعلى رئيس المجلس تبليغ طلب الإتهام إلى جميع الأعضاء بالاضافة إلى الرؤساء والوزراء المطلوب اتِّهامهم، كما يودعهم صورة عن الملف ويمهلهم عشرة أيام لإيداع ردودهم عليه ، وبعد ذلك يلتئم المجلس لسماع ممثل عن الجهة طالبة الإتهام وكل من المُتهمين، ويقرر المجلس السير بالعملية بأغلبية مُطلقة، ويلي ذلك تعيين المجلس للجنة تحقيق برلمانيَّة ذات صِفة قضائيَّة تتمتعُ بصلاحيات هيئات التَّحقيق القضائيَّة.
تتولى لجنة التحقيق مهام التحقيق الإبتدائي كما الفصلُ في طوارىء التَّحقيق، وكذلك لها أن تصدر مذكرات الجلب والاحضار والتوقيف الاحتياطي والاحالة امام المراجع القضائية المختصة، بما في ذلك إصدار ما تراه لازماً من استنابات قضائية. وقراراتها تكون غير قابلة لاي طريق من طُرقِ المراجَعة؛ وفي حال أظهر التحقيق بحق الاشخاص المطلوب اتهامهم افعالا تختلف عن الافعال الوارد ذكرها في طلب الاتهام، تقرر اللجنة توسيع التحقيق ليشمل كل هذه الافعال.
فور اختتام التَّحقيق، تجتمعُ لجنة التَّحقيق في جلسة سِريَّة، وتتذاكرُ وتضعُ تقريرها في القضيَّة، بعد أن تحيل فور انتهائها الى المرجع المختص جميعَ الاشخاص غير المنصوصِ عنهم في المادتين الستين والسبعين من الدستور، والذين يظهر التَّحقيق تدخُّلَهُم او اشتراكهُم في الجريمة، اما اذا أظهر التَّحقيق تدخٌّلَ او اشتراك أحد الاشخاص المنصوص عنهم في المادتين المشار إليهما، تقترح اللجنة على مجلس النواب توسيع التَّحقيق ليشمل هؤلاء الاشخاص، وتُحيل تقريرها فوراً الى المَجلس النيابي، وتبلِّغَهُ الى كُلٍّ من مُمثلي الادعاء والدِّفاع ، وعلى ضوء ذلك يلتئم المجلسُ في جلسة خاصة بدعوة من رئيسه في مهلة لا تتعدى عشرة أيام من تاريخ إيداع لجنة التَّحقيق تقريرها المجلس، تخصص الجلسة لتلاوة التَّقرير، كما الى مرافعتي الادعاء والدِّفاع.  وفي النهاية يتم التَّصويتُ بالاقتراع السِّري على الاتِّهام، وفي حال تقرر بنتيجة التصويت الاتهام بأغلبية الثلثين يُصدر المجلسُ قرارَ الاتِّهام، ويرفعُ رئيسهُ القضيَّةَ فوراً الى المجلسِ الأعلى، كما يتم تبيلغ المُتَّهمِ او المُتهمين قرار الاتِّهام.
وعندها يكون المحقق العدلي أمام أحد الاحتمالات التالية:
أولاً: أن يرفض مجلس النواب اتهام رؤساء الوزراء والوزراء المطلوب اتهامهم بعد مناقشة تقرير لجنة التَّحقيق (إن لم يلق تجاوب أكثرية مطلقة)، أو التَّصويت على قرار الاتِّهام (2\3)، هنا يتوجب على المُحقِّق العدلي صرف النظر عن استماعِهِم كمدعى عليهم والإكتفاء باستِماعِهِم كشُهود ومُتابعة التَّحقيقِ مع بقية الذين تتوفَّرُ شُبُهات حول مُساهمتِهِم بالجريمَة، وإصدارُ قراره الإتهامي، وإحالة الملف مع الموقوفين إن وجدوا إلى المجلس العدلي للَّنظر في الجَريمَةِ كونها أحيلت إليه بقرار من مجلس الوزراء، لإدانة من يتثبتُ ضلوعُهُ بالجريمًةِ باستثاء رؤساء الحُكومَةِ والوزراء الذين سَطر كتاب إلى مجلس النُّواب تَسلسلاً يبلغه بوجود شُبهات حولَ سلوكيَّاتِهِم تُغلِّبُ ضُلوعَهُم بالجريمَة.
ثانياً: أن يصدر قرار اتهامي عن مجلس النواب بثلثي أعضاء المجلس بحق بعضهم وعدم اتهام البعض الآخر، وهنا يقتضي على المحقق العدلي متابعة التَّحقيق مع الذين تَحومُ حولهُم شُبهاتٌ لضلوعِهِم بالجريمَةِ، ولكن دون الاستماع إلى الرؤساء والوزراء الحاليين أو السابقين بصفة مدعى عليهم، وانتظار قرار المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء لجهة تقرير ما إذا كان سيلاحقُ أشخاصٌ غير الرؤساء والوزراء المتهمين أمام المجلس الأعلى والذين يثبتُ تدخُّلُهُم أو اشتراكُهُم بالجرم، والسَّيرُ بالملفِ في ما خص باقي المُتورطين بالجريمة نظراً لكون المجلس الأعلى مختص  بالنظر بجرائم الرؤساء والوزراء وشُركا~هم والمُتدخِّلينَ معهم  .
ثالثاً: أن يصدر مجلس النواب قراراُ اتهاميَّاً بحقِّ جميعِ من وردَت أسماؤهم بكتاب المُحقِّقِ العدلي الذين رأى أنهم مُساهمين في الجريمة، وهنا يقتضي على المُحقِّق العدلي مُتابعةُ التَّحقيق مع الذين تَحومُ حولَهُم الشُّبهات لضُلوعِهِم بالجريمة والذين يخرج أمر ملاحقتهم عن صلاحية المجلس الأعلى، من دون الاستماع إلى الرؤساء والوزراء الحاليين أو السابقين المتهمين ما لم يكن استمعهم كشهود سابقاُ، وانتظار قرار المجلس الأعلى لمُحاكمة الرؤساء والوزراء لجهة تقرير ضم الملفين للتَّلازم أم السير بكل ملف على حدة، لمتابعة التحقيق والسَّير بالقضيَّة في ما المسهمين بالجريمة والئين لن يحاكموا أمام المجلس الأعلى، وذلك لكون المجلس الأعلى مختص بالنظر بجرائم الرؤساء والوزراء والشُّركاء معهم والمتدخلون بالجريمة دون غيرهم .
بحيث يقتضي في حال اتهامهم انتظار قرار من المجلس الأعلى بتقرير اختصاصه وطلب إيداعه كامل ملف القضيَّة، أما في حال امتنع المجلس عن إدانة جميع أو بعض رؤساء الوزراء والوزراء الحاليين والسَّابقين والذين رأى المحقق العدلي مُساهمتَهُم في الجريمة، مُتابعة التَّحقيقِ ومُلاحقة باقي المُساهمين رؤساء مجلس الوزراء والوزراء الذين لم يتهموا. 
ونختم بالإجابة على السؤال الذي يطرح ذاته: ما السبيل للخرج من المأزق الذي يوصلنا إليه وآليَّاته؟
نقول بوجوب مبادرة مجلس النواب لطلب نسخة عن ملف التَّحقيق وعرضه للمناقشة في جلسة سريَّة في مجلس النواب، وعلى ضوئه يتقرر تقدم خمس أعضائه بطلب اتهام من تتوفر قرائن وأدلة ومعطيات تغلِّب ضلوعه بالجريمة من بين رؤساء الحكومات والوزراء الحاليين والسَّابقين، وفي حال اتخاذ مثل هذا القرار أي السير بالإتهام ينبغي تكليف لحنة تحقيق برلمانيَّة على الفور لاستكمال التحقيق واتخاذ القرار المناسب على ضوء ما تتوصَّل إليه اللجنة وتدرجه في تقريرها الذي أشرنا إليه، ومن ثم عرض الموضوع على مجلي النواب للتصويت على الإتهام وفي الحالة الإيجابيَّة إحالة الملف إلى المجلس الأعلى على أن يستكمل تعيين أعضائه من قبل الحكومة المفترض أن تشكل على ضوء تكليف دولة الرئيس سعد الحريري، ومتابعة الموضوع إلى أن يصدر المجلس الأعلى الحكم في القضية خلال مهلة شهر قابلة للتجديد لمرة واحدة من تاريخ تبلغه إحالى القضية أمامه ، والذي لايقبل أي طريق من طرق المراجعة باستثناء طلب إعادة المحاكمة .
وفي حال عدم اتخاذ المجلس قراراً اتهامياً بأكثرية الثلثين بحق من رأى المحقق العدلي أنه تتوفر قرائن وأدلة تُغلب ضلوعهم في الجريمة يتابع تحقيقاته بما في ذلك استماع واستجواب كل من يرى فائدة في استماعهم كشهود أو استجواب من يرى وجوب ملاحقتهم بصفة مدعى عليه باستثناء رؤساء مجلس الوزراء والوزراء الحاليين أو السابقين الذين يمكنهم فقط استماعهم كشهود، وبعد ختام التَّحقيق يُصدر قراره الإتهامي ويحيله مع الملف إلى المجلس العدلي لمحاكمة المتهمين وفق الأصول.
ورغم اقتراحنا هذا إلاَّ أن مستوى التفاؤل لدينا بهذا الحل لا تتجاوز ال 25 % ،ويعزى ذلك لتيقننا من حجم وعمق الخلافات السياسيَّة بين الأقطاب السياسيين الأساسيين في لبنان، ولحساسيَّة المرحلة التي نمر بها، خاصَّة وأننا مقبلون خلال السنتين المقبلتين على انتخابات رئاسيَّة والخلاف بيِّن وحاد على وجهتها في ظل عدم التوافق على قانون الإنتخابات النيابيَّة، كما على كيفية احتساب نصاب الجلسات في الانتخابات الرئاسيَّة كما حصل في الانتخابات الرئاسيَّة السابقة، من هنا ننصح بلجنة تحقيق دوليَّة ومحكمة جزائية دوليَّة خاصَّة بهذه الجريمة الكارثيَّة الطابع. 


*عميد متقاعد في قوى الامن الداخل .باحث قانوني وأمني.

المصدر
الحوار نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى