مقالات

الجولات والزيارات ومدى أهميتها، وأهمية الكشف الحسي

المحامي ناضر كسبار

يعاني الشعب اللبناني المقهور من قلة خبرة وكفاءة وبُعد نظر ويقظة عدد كبير من المسؤولين. وما القرارات التي تؤخذ على مختلف الصعد، والتي تأتي معظمها متناقضة مع بعضها البعض، وخصوصاً في مجال الصحة والاقتصاد والأمن والتربية إلا خير دليل على ذلك.

        فالإنتاجية تحتاج الى الخبرة والحكمة واتباع خطط عملية، ولا تكون بالاستعراضات والكلام على طريقة: “إسمع تفرح جرب تحزن”. إذ ليس المطلوب القيام بالجولات في مختلف المناطق وبالزيارات القريبة والبعيدة، إذ احياناً يمكن حل اكبر القضايا والمشاكل باتصال هاتفي بين المسؤولين. كما انه لا طائل منها خصوصاً مع وجود كم كبير من وسائل الإعلام، وعلى طريقة “شوفيني يا منيرة”. إذ انه على على المسؤول ان يكسب الوقت ولا يهدره على الطرقات او بالذهاب والاياب والصعود والنزول، وزيارة هذا  المركز او ذاك، وان كانت هذه الزيارات ترضي شريحة من المواطنين الذين يعتقدون بأن هذا المسوؤل نشيط لمجرد زيارته هذه المنطقة او تلك وهذه المؤسسة او تلك. فوقت المسؤول ثمين وعليه ان يعمل بفعالية وان يرسم الخطط الاستراتيجية والتكتيكية في اداراته او وزارته…الخ.

        أخبرني المحامي الشيخ انطوان الجميل ان مكاتب المحاماة في اميركا، وطبعاً في معظم دول العالم، تقسم المحامين الى مجموعات: منهم من يكتب، ومنهم من يقوم بالتفتيش والتنقيب في المراجع الفقهية والاجتهادية، ومنهم من يعقد الاجتماعات. لان ساعة عمل هذا المحامي المحنك الذي امضى ثلاثين سنة في المهنة اهم من ساعة عمل المحامي الجديد.

        ونعود الى اهمية الكشف الحسي في بعض الاحيان، اذ قلنا اعلاه انه على المسؤول الا يهدر الوقت بأمور غير نافعة والهدف منها فقط هو الظهور الاعلامي. ولكن بالعكس هناك حالات يكون من الافضل حضور المسؤول شخصياً للاطلاع على مجريات الامور خصوصاً مع وجود خبراء متخصصين.

        ففي المجال القضائي، كان نائب المتن المحامي المرحوم اوغست باخوس يقول ان الكشف من قبل هيئة المحكمة سواء في القضايا الجزائية ام المدنية يساعد القاضي على تكوين قناعة افضل تمهيداً للفصل في الدعوى. فالقاضي الذي يكشف على مكان الجريمة، قد ترسخ في ذهنه عدة امور تساعده في التحليل المنطقي والواقعي للامور، وقد يكتشف اموراً لا يستطيع معاونوه اكتشافها. وكذلك الامر بالنسبة للدعاوى المدنية، فاذا قام القاضي بالكشف الحسي بحضور الخبير مثلاً، فيكون باستطاعته استيضاحه حول بعض المسائل المتعلقة بأهل الخبرة لان البناء الذي يكون امامه قد يكون مختلفاً بعض الشيء عن الوصف الوارد في تقرير الخبير او قد يكون الخبير عن حسن نية او عن سوء نية أغفل بعض التفاصيل التي تساعد القاضي في فصل الدعوى.

        ويضيف الاستاذ باخوس ان القاضي عفيف شمس الدين كان يتبع هذه الطريقة. ومرة ذهب للكشف وبرفقته الخبير الذي سبق أعد التقرير. ولكنه لاحظ ان هناك فرقاً بين التقرير والواقع، فنهر الخبير وقال له انه سوف يتخذ الاجراءات اللازمة بحقه ولن يعينه من الان فصاعداً.

        وفي الواقع السياسي والاداري والأمني، يمكن للمسؤول ان يقوم بالزيارات سواء للاطلاع على واقع الحال، وبحضور خبراء يشرحون له الخطة العملية تمهيداً للتفاعل مع المشروع وملاحقته بشكل واضح، او لإعطاء التوجيهات اللازمة، ولرفع المعنويات، وخصوصاً في الامور العسكرية.

        وبالتالي فإن ما نشهده هذه الايام من استعراضات لا طائل منها الا الظهور الاعلامي وإيهام الشعب الذي بات يصدق كل شيء، وخصوصاً النظر والسمع، ويعتقد بأن هذا المسؤول نشيط وقبضاي لانه يذهب الى البقاع وبشري والضنية وبعلبك وغيرها. ومن اجل ماذا؟. ليزور هذا المبنى او ذاك، في حين ان القرارات ضعيفة وفاشلة وتؤدي احياناً الى كارثة على مختلف الصعد.

        والشيء بالشيء يذكر. وهذا هو المأخذ الاساسي. يزورون الاماكن القريبة والبعيدة، ولم يسمحوا لانفسهم (وبالعربي الدارج يقال ولم يستنضفوا) زيارة المرفأ الذي كان يحتوي على تلك المواد التي كانوا يعرفون بوجودها وبمدى خطورتها. وتسبب انفجارها بتدمير نصف بيروت وبمقتل المئات وحرق قلوب اهلهم ومحبيهم، وبجرح الآلاف الذين لا يزالون يعانون من الوجع والعذاب وخصوصاً اولئك الذين فقدوا عيونهم وارجلهم واياديهم…الخ.

وليس من يُسأل او يحاسب وتُرمى الامور على الصغار.

ومع ذلك لا نزال متفائلين بهذا البلد ولن نتركه للناهبين والسارقين والمستلشقين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى