أخبار محلية

فضيحة في “المعاينة الميكانيكية”..

كشف قضاء العجلة في مجلس شورى الدولة أن هيئة إدارة السير أجرت تعديلات على دفتر شروط مناقصة «المعاينة الميكانيكية» الذي أقرّه مجلس الوزراء، ما أدّى إلى إقصاء عارضين محتملين والإخلال بموجبات العلانية والمنافسة. هذا القرار فرض تأجيل مناقصة المعاينة الميكانيكية حتى تسليم إدارة المناقصات دفتر الشروط الصحيح لإعادة إطلاقها مجدداً.
كان يفترض أن تنتهي مهلة تقديم عروض مناقصة تلزيم «مشروع تحديث وتطوير وتشغيل محطات المعاينة والكشف الميكانيكي على المركبات الآلية، وبناء وتشغيل محطات جديدة»، يوم غدٍ السبت، وأن تفضّ صباح يوم الاثنين 18 كانون الثاني 2016 في مقرّ إدارة المناقصات.

إلا أن الفضيحة التي كشف عنها قضاء العجلة في مجلس شورى الدولة برئاسة القاضي شكري صادر، والمتمثلة بإقدام هيئة إدارة السير على إجراء تعديلات على دفتر شروط المناقصة الموافق عليه من مجلس الوزراء، فرضت جدولاً زمنياً مختلفاً. فمن المتوقع أن يُصدِر مدير المناقصات جان العلية، صباح اليوم، قراراً يقضي بتأجيل موعد فضّ العروض إلى أجلٍ يُسمى لاحقاً في انتظار تسلّمه دفتر الشروط الصحيح الذي أقرّه مجلس الوزراء من وزارة الداخلية.

تعديلات بعلم من؟
جاء قرار صادر في إطار اعتراض رفعته مجموعة شركات ادّعت أنها متضرّرة من إضافة بنود إلى دفتر الشروط بهدف إقصاء الشركات المدعية وشركات أخرى أيضاً. المدّعون هم ثلاثة: «Controle technique automobile hallinest»، وشركة توما للهندسة والأبحاث، ومؤسسة سوبال الهندسية الممثلة بشركة فال السعودية المحدودة ـ فرع لبنان.
وبحسب نصّ الاعتراض، فإن الشركات اشترت دفتر الشروط وسدّدت مبلغ 15 مليون ليرة مقابله. ثم عمدت إلى تدقيق دفتر الشروط ومراجعة الدوائر المختصة بشأنه «غير أنها فوجئت بوجود مجموعة من المخالفات الفادحة ترمي إلى إعادة وضع يد هيئة إدارة السير على إجراءات المناقصة خلافاً لقراري مجلس الوزراء، وإلى إضافة شروط لم تكن واردة في دفتر الشروط عند إقراره من قبل مجلس الوزراء بهدف إقصاء الشركات المدعية، وحصر المنافسة بعدد محدود من العارضين، إذ عمدت هيئة إدارة السير بعد إحالة دفتر الشروط معدلاً على إدارة المناقصات، إلى إضافة شرط جديد لم يكن ملحوظاً في المؤهلات المهنية والفنية التي يترتّب عليها قبول العارض أو استبعاده، هو حيازة تصنيف ISO 17020 فيما كان دفتر الشروط يلحظ حيازة العارض شهادة ISO/IEC 2008:9001. كذلك أضافت هيئة إدارة السير شرطاً آخر، هو زيادة عدد المعاينات الميكانيكية التي ينبغي أن يكون قد أجراها العارض، من مليونين إلى ثلاثة ملايين مركبة في السنة».

كذلك، استندت الشركات إلى كتاب وجّهه وزير الاقتصاد ألان حكيم إلى مجلس الوزراء، يطلعه فيه على التعديلات التي أُدخلت على دفتر الشروط، وهو ما أفضى إلى «تأجيل موعد المناقصة من 26/11/2015 إلى 18/1/2016».

ردّ «الدولة»
في المقابل، ردّت الجهة المستدعى بوجهها بواسطة رئيس هيئة القضايا في وزارة العدل (لم يشر القرار إلى هوية الجهة، علماً بأن الاعتراض موجّه ضدّ الدولة اللبنانية ممثلة بكل من: وزارة الداخلية، هيئة إدارة السير، رئاسة مجلس الوزراء، التفتيش المركزي، وإدارة المناقصات). اللافت أن هذه الجهة لم تنكر حصول تعديلات على دفتر الشروط، بل أشارت إلى أن «التعديلات المشكو منها، وعلى فرض حصولها، فإنه يقتضي مقاضاة هيئة إدارة السير والآليات والمركبات بشأنها، على اعتبار أن هذه الأخيرة تتمتع بالشخصية المعنوية، كما يجب أن يطعن بها وليس بإجراءات إعلان المناقصة».

«التزوير» ثابت

هكذا، أصبح الأمر بيد القاضي صادر الذي يرأس القضاء المستعجل في مجلس شورى الدولة. استند صادر إلى أوراق الدعوى ليقول: «من الثابت أن دفتر الشروط قد أُدخلت تعديلات عليه من قبل المستدعى بوجهها الثانية (هيئة إدارة السير) بإضافة شروط جديدة، سواء لجهة تصنيف ISO 17020 أو لجهة عدد المعاينات».

ويؤكد صادر أن «إضافة شروط مهنية وفنّية غير ملحوظة في دفتر الشروط الذي أقره مجلس الوزراء، من دون الرجوع إلى هذا الأخير، من شأنها إقصاء العارضين الذين لا تتوافر فيهم هذه الشروط الجديدة لمصلحة شركات عارضة أخرى وتفضيل هؤلاء الآخرين، الأمر الذي يشكّل إخلالاً بموجبات علانية الصفقة والمنافسة (…) من شأن هذه الإضافات التعديل في المعايير المعتمدة لاختيار العارضين واعتماد معايير أشدّ غير منصوص عليها في دفتر الشروط (الأصلي)، ما يؤدي عملياً إلى تفضيل بعض الشركات العارضة واستبعاد شركات أخرى، ومنها الشركات المستدعية».

ويخلص قرار صادر إلى «الزام المستدعى بوجههما (هيئة إدارة السير وكل الإدارات الأخرى) بموجبات توفير العلانية والمنافسة والمساواة بين العارضين المحتملين… وبالتالي حذف الشروط التي أُضيفت إلى دفتر شروط المناقصة الذي وافق عليه مجلس الوزراء».

مسار الخصخصة

في الواقع، إن ولادة دفتر شروط المناقصة المذكورة، جاءت بعد مسار طويل تضمّن خصخصة المعاينة والكشف الميكانيكي لفترة تزيد على 12 سنة. طوال هذه الفترة، كان هناك ملتزم واحد هو شركة «فال». في البدء لزّمت هذه الشركة، «بصورة مؤقتة»، إنشاء وتشغيل 5 مراكز معاينة لمدّة 10 سنوات بطريقة BOT. وقبل نهاية العقد معها، كان وزير الداخلية السابق مروان شربل يتفاوض على تمديده لفترة خمس سنوات، إلا أن مجلس الوزراء قرّر إطلاق مناقصة عمومية مفتوحة، وأقرّ «بصورة مؤقتة» تمديد العقد لمدّة 6 أشهر. إلا أن الدولة كعادتها، حوّلت المؤقت إلى دائم، ففي 27 آذار 2014 مدّد العقد لمدّة 6 أشهر أيضاً، وأقرّ تمديد ثالث لـ6 أشهر إضافية في 19 تشرين الأول 2014، ثم جُدّد العقد لفترة 3 أشهر في انتظار انتهاء المناقصة التي لم تنجز إلى اليوم.
كل هذه التمديدات التي استفادت منها الشركة المشغّلة حالياً، أي «فال»، كانت أيضاً نتاج إرباك وفوضى اعتادت السلطة القيام به إزاء تقديم الخدمات العامة. فعلى الرغم من تزايد الحديث عن فسادٍ مستشرٍ في آلية تقديم هذه الخدمة للمواطنين وتردّي قدرة الشركة المشغلة ومحطات المعاينة على تغطية الطلب على إجراء المعاينة الميكانيكية، إلا أن مجلس الوزراء أخذ أكثر من سنة و10 أشهر، بعد انتهاء العقد مع «فال» في 31/10/2012، ليطلب من هيئة إدارة السير وضع دفتر شروط لإطلاق «مناقصة استحداث مراكز معاينة ميكانيكية»، ثم كلّف إدارة المناقصات إطلاق المناقصة بعد إقرار دفتر الشروط.

القبض على المناقصة

هكذا ميّز مجلس الوزراء بين العقد مع الشركة الحالية لتشغيل محطات المعاينة القائمة حالياً وعددها أربعة، وتلك التي ستُستحدث وعددها 10 مراكز إضافية تتوزّع على بيروت والكورة وجبيل وبعقلين والكويخات وطرابلس والنبطية وصور وبعلبك وراشيا، واستحداث مراكز للمعاينة الميكانيكية في المنافذ البحرية والبرية.

ولم يُستدرك الأمر إلا بعد أشهر عندما ناقش مجلس الوزراء في 8/4/2015 كتاب وزارة الداخلية الذي يربط بين نهاية عقد شركة «فال» في 31/3/2015، وبين استحداث محطّات إضافية، إذ طلبت الوزارة تعديل اسم المشروع ليصبح «مشروع تحديث وتطوير وتشغيل المحطات الموجودة للمعاينة والكشف الميكانيك وبناء وتجهيز وتشغيل محطات جديدة».

وفي هذا الإطار، رفعت هيئة إدارة السير دفتر الشروط للمشروع الشامل على مجلس الوزراء. إلا أنها أتبعته بكتابين: يتعلق الأول باقتراحاتها لمحطات المعاينة المنوي استحداثها في المناطق، والثاني يشير إلى «حقها في إجراء المناقصات العمومية العائدة لها وإعادة النظر بقرار مجلس الوزراء رقم 20 بتاريخ 9/10/2014، المتعلق بتكليف إدارة المناقصات إطلاق المناقصة».

كذلك جاء قرار مجلس الوزراء من شقين: الموافقة على دفتر الشروط بعد إدخال التعديلات التي طلبها الوزراء. والثاني كان أقرب إلى إيجاد «تسوية» ترضي هيئة إدارة السير حول صلاحية تنفيذ المناقصة وإدارتها، إذ كرّر قراره لجهة تكليف إدارة المناقصات إجراء المناقصة «وفقاً لدفتر الشروط»، لكنه أضاف: «لجنة إجراء المناقصة التي تضم أعضاء تسميهم هيئة إدارة السير».

ما حصل لاحقاً لا ينحصر بهذه المناقصة فحسب، بل بمناقصات أخرى كلّفت إياها إدارة المناقصات مثل مناقصة تشغيل شبكتي الخلوي، إذ خرجت أصوات بعض المسؤولين تقول إن دفتر الشروط الذي وضع بين يدي الشركات العارضة، يتضمن تعديلات أو إضافات أو حذف بنود غير التي أقرها مجلس الوزراء. لكن إثبات حصول «تزوير» لم يكن سهلاً، إذ كان على المدعي أن يحصل على محضر من مجلس الوزراء يتضمن دفتر الشروط، ومقارنته بدفتر الشروط المعدّل.

وبحسب المعلومات المتداولة بين المعنيين، استأنفت وزارة الداخلية ممثلة بهيئة إدارة السير قرار صادر، لكن ليس هناك بوادر صدور قرار يلغي قرار صادر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى