مقالات

صيدون سيدة البحار… شُيّدت كل الحضارات على أرضها

من صيدا البحر انطلق أوّل مركب يحمل الأبجدية… وعلى هذه الأرض شُيّدت حضارات شتّى، وكتب الفينيقيون تاريخهم المجيد بحروف لا تًمحى على مر العصور… ومن صيدون العظيمة وسيدة البحار الضارب تاريخها في أعماق الزمن مرَّ الكثيرون من الأنبياء والمشاهير والقادة والعظماء، وعلى الرغم من أنّ تراب مدينة صيدا ما زال يحتضن الشواهد الكثيرة على ماضيها المشرق، والشاهد على ذلك مرفأها وقلعتها ومواقعها الأثرية العريقة، إلا أنّ تاريخها القديم ما زال يكتنفه الغموض…

وفي إطار الاهتمام بهذا التاريخ، وهؤلاء الأشخاص الذين مرّوا عبر هذه العصور والأزمنة… كان لا بد من إبراز دور البعض من الذين لعبوا دوراً هاماً في بناء وتطوّر هذه المدينة العريقة والوريثة لمدينة صيدون الفينيقية، والتطرّق إلى فترة العصر العثماني من خلال والي صيدا سليمان باشا، وذلك في سبيل إثبات شخصية تراثنا الذي بتنا لا نراه أبداً…

«لـواء صيدا والجنوب» سلّط الضوء على أهمية تاريخ صيدا العريق منذ العصر العثماني…

سليمان باشا الفرنساوي (1788-1860)

{ ما زال الباحثون والمهتمون بتاريخ مدينة صيدا يبحثون عن مراجع ودراسات وأبحاث تتناول كل الحضارات التي مرّت على المدينة… والمهندس المعماري فهد ميري كان له دور في هذه الأبحاث والدراسات، حيث أكد «أنّ سليمان باشا وُلِدَ في ليون بفرنسا، واسمه الحقيقي Joseph Anthelmeséve المعروف بأبي ليلة، ولايته (1804-1819).

جاء إلى مصر مع الحملة الفرنسية (نابليون) برتبة عميد، وبقي فيها واعتنق الإسلام، وقد عهد إليه محمد علي باشا تنظيم الجيش المصري بأساليب حديثة، فاستمر رئيساً للجهادية في الفترة الممتدة من عهد محمّد علي إلى إبراهيم باشا، فعباس باشا، ثم سعيد باشا، وأصبح القائد العام للجيش المصري في عهد الخديوي عباس، وفي العام 1834 أنعم عليه محمّد علي بلقب «الباشوية»، وتزوّجت كريمته من محمّد شريف باشا (رئيس وزراء مصر) وأنجب منها فتاة تزوّجت عبد الرحيم صبري باشا (وزير الزراعة)، وأثمر الزواج عن ملكة مصر السابقة نازلي صبري زوجة الملك أحمد فؤاد، وأم الملك فاروق آخر ملوك مصر».

وأضاف المهندس ميري: «أُطلِق إسمه على ميدان (سليمان باشا)، وأُعيدت تسميته في العام 1952 بإسم ميدان طلعت حرب، (توفي في العام 1860 ودُفِنَ في جزيرة الروضة بالقاهرة).

– 1832 سليمان باشا حاكماً على ولاية عكا بعد عبدالله باشا.

– 1840 سليمان باشا حاكماً على بيروت».

إيالة صيدا

وتابع: «من المعلوم أنّه منذ العام 1656 أخذت الدولة العثمانية تعيّن حكّاماً على صيدا كان أوّلهم إسماعيل آغا، وفي العام 1660 أصبحت صيدا ولاية مستقلة بعد أحداث إيالة رابعة، وهي إيالة صيدا عن طريق جمع سنجق صفد وبيروت وصيدا في مقاطعة واحدة، كان مركزها صيدا التي أصبحت ولاية مستقلة في عهد والي الشام أحمد باشا كوبرولو، وكان والي صيدا علي باشا الدفتردار، وابتدأت الخلافات بين والي صيدا ووالي دمشق حول المناطق المتاخمة للولايتين (مرجعيون – حاصبيا – البقاع الأوسط).

في العام 1821 إيالة صيدا تضم (صيدا – صفد – بيروت – طرطوس بشاوغة – الجردة – اللاذقية – العرب – لواء غزة – الرملة – يافا)».

وأردف: «في ذلك الوقت كان مركز الإيالة عكا بعد أنْ حوّلها عن صيدا أحمد باشا الجزار في العام 1777.

وفي العام 1831 وبعد دخول المصريين، قاموا بإلغاء التقسيمات السابقة، واستبدلوا كلمة إيالة بمديرية، وعيّنوا مديرين على الأقضية، وفصلوا عكا عن إيالة صيدا، وعيّنوا سليمان باشا الفرنساوي حاكماً.

وبعد خروج المصريين أُعيدت الهيكلية الإدارية ونُقِلَ مركز إيالة صيدا إلى بيروت.

من العام 1850 تألّفت بلاد الشام في إيالتي دمشق وصيدا.

ثم ألغيت إيالة صيدا ونشأت ولاية سوريا وضمّت أقضية: بيروت – صيدا – صور – مرجعيون والوية طرابلس اللاذقية عكا ونابلس.

وفي العام 1860 مُنِحَ جبل لبنان إدارة ذاتية».

وقال: «كان حكّام صيدا المباشرون (المتسلّم، المدير، المفتي، قائمقام ونقيب الأشراف).

وكان حكام إيالة صيدا (أحمد باشا الجزار 1804، إبراهيم باشا 1807، سليمان باشا 1819، عبد الله باشا 1821، مصطفى باشا 1823)، واستمر الحكّام حتى خروج المصريين في العام 1840.

ومن الأحداث التي وقعت في هذه الفترة:

في العام 1810: لجأ يوسف كنج باشا والي الشام إلى مصر، فارّاً من وجه سليمان باشا والي صيدا، وكانت فرصة محمّد علي باشا لإعادته بشروطه الخاصة.

في العام 1822: فرَّ إلى مصر الأمير بشير حاكم جبل لبنان، الذي ساند عبد الله باشا حاكم صيدا بسبب نزاعه مع درويش باشا والي الشام.

في العام 1825: وقعت الفتنة بين الأمير بشير حاكم الجبل والشيخ بشير جنبلاط.

في العام 1824: سيطر إبراهيم باشا وسليمان باشا على اليونان، ثم ما لبث أنْ أخرجهم الأوروبيون، ومن المعروف أنّ إبراهيم باشا أكبر أنجال محمّد علي، هو من مواليد نصرنلي (اليونان).

في العام 1846: صدر قانون إصلاح التعليم.

في العام 1834: أنشأ إبراهيم باشا أوّل مطبعة في لبنان، واعتمد اللغة العربية في التعليم.

في العام 1840: حوادث جبل لبنان ومعارك بين الدول (إنكلترا – روسيا وتركيا)، وصدر مرسوم الجلاء للمصريين عن بلاد الشام في 10/10/1840. كما تمّ تدمير القلعة البحرية من قبل الأسطول البريطاني إثر محاربة إبراهيم باشا، فيما ألقى الأمير بشير نظرته الأخيرة على الجبل من مرفأ صيدا متوجّهاً إلى مالطا.

في العام 1860: لجأ الهاربون من المجازر الطائفية واحتموا في خان الإفرنج.

– سليمان باشا حاكماً لعكا في نيسان 1805 بعد إسماعيل باشا.

وقال الراوي إبراهيم العورة بأنّ الحكم اتسم بالعدل والأنصاف ولُقّب الحاكم بالعادل وأمر بإطلاق المناداة بالأمان والأمن والعدل وإطلاق المحبوسين وسد أبواب المظالم بعد الجزار، ومنح حكومة جبل لبنان للأمير بشير وعقد معاهدة مع جبل عامل بعد معاناتهم مع الجزار وكانت اتفاقية الصلح معهم بوساطة الأمير بشير وإقرار سليمان باشا وراغب أفندي مأمور الباب العالي، وتم التوقيع بين الشيخ فارس الناصيف وسليمان باشا وقاضي عكا ووكيل الأمير بشير… (وكان من شروط الحكم ألا يكون لموظفي الدولة أي تدخّل في حكم البلاد ولا سلطة على مشايخها)، وعلى أثر انتصار سليمان باشا والأمير بشير على يوسف باشا في دمشق أصدر سليمان باشا في دمشق في العام 1810 في فترة ولايته لصيدا أمراً بأنْ يكون الأمير بشير حاكماً على الجبل طيلة حياته، وأنعم على الأمير قاسم بن بشير (بلاد جبيل) وعلى خليل (البقاع).

في العام 1812: وصلت لسليمان باشا أنباء تقول بأنّ متسلّم دمشق درويش آغا يأخذ الأموال من الأهالي لنفسه، فألقى القبض عليه، وصادر أمواله وممتلكاته واسترجع 600 ألف قرش وأمره بالسكن مع عائلته في صيدا إثر وساطة الأمير بشير».

الليدي استرا ستانهوب

وقال المهندس ميري: «في هذا العام وصل الجراد إلى صيدا فصدر قرار بناء لاقتراح الأمير بشير بحفر الأقنية وإحراقه ونجحت الخطة.

كذلك في هذا العام وصلت إلى صيدا من مصر الليدي استرا ستانهوب الانكليزية، وحلّت في أحد قصورها، وعادت وانتقلت إلى عبرا مع حاشيتها، وبَنَتْ منزلاً بالقرب من بناء البرج حالياً على أثر ظهور الطاعون الذي أخذ يفتك بالأهالي، وقد زالت آثار هذا المنزل في العام 1960، ثم انتقلت إلى دير مشموشي في العام 1818، وتقرّبت إلى والي عكا عبدالله باشا في العام 1821، ودفنت في حديقة قصرها في جون في العام 1839.

ترك سليمان باشا بصماته على نمو المدينة. وقام بغرس الأشجار وبنى جسر الزهراني بين صيدا وصور في العام 1811، وجدّد تعمير القلعة البحرية في العام 1813، وأصلح الطريق بين صور وعكا في العام نفسه، كما قام بإرسال مساعدات غذائية إلى الأستانة.

من إنجازاته أنّه في عهد محمد علي بلغ عدد أطفال الشوارع 300.000 متشرّد فجمعهم ونقلهم إلى معسكر بالقرب من الكلية الحربية لمدّة 3 سنوات، حيث قام سليمان باشا باستقدام أعظم المدرّبين الفرنسيين في شتى المهن والحرف اليدوية، ليخرّجوا عمّالاً ماهرين يجيدون الحرف اليدوية واللغتين العربية والفرنسية. وقد كان لهم دور بارز في بناء الوطن لا سيما المميّزون منهم.

وورد في المراجع أنّ الكولونيل الفرنسي سليمان باشا سكن السراي التي بناها فخر الدين مركزاً حكومياً في الجنوب من ساحة باب السراي بعد أنْ رمّمها في عهد إبراهيم باشا، وبعد أنْ خضع لبنان ومدنه الساحلية للحكم المصري بإدارة سليمان باشا الفرنساوي وبالتنسيق مع الأمير بشير الثاني.

كما بادر إلى تجديد الأبنية وتوزيع الهبات على المصابين والمنكوبين على أثر نكبة زلزال العام 1837 الذي أصاب المدينة وهدّم أجزاء من أحيائها، وأمر بإحاطة المدينة بسور من جهة اليابسة وأعاد الحياة للمدينة».

وختم المهندس ميري: «خلّف سليمان باشا زوج ابنته عبدالله باشا، وكان متعسّفاً، وحدث أن رفض قاضي صيدا الشيخ يونس البزري وأخوه المفتي أنْ يخضعا لحكم الأمير بشير ملحم، وتجمّع حولهما الأهالي لطرد الأمير الذي استعان بإبراهيم باشا لإطفاء شعلة الثورة، وما لبث أنْ عزل الأمير بشير ملحم العام 1832، وتسلّم الأمير سلمان أحمد، ثم عيّن متسلّماً من أصل تركي عريف آغا».

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى