أخبار محلية

مادة مسرطنة جديدة في هواء لبنان

 كيف يتم توجيه البحث العلمي في الجامعات؟ ومَن يدقق؟ ولمصلحة مَن هذه الأبحاث؟

هذه الأسئلة باتت ضرورية بعد الاطلاع على دراسات حديثة عن أخطر مسألة بيئية تواجه لبنان في الفترة الأخيرة. بعد ترك النفايات في الشارع وطمرها وحرقها بشكل عشوائي، كان السؤال الأولي والبديهي ما سيكون انعكاس هذه الفوضى على الصحة العامة؟ وكان علينا أن ننتظر مراكز الأبحاث لتجيب على هذه الأسئلة. إلا أن ما صدر عن مركز ترشيد السياسات الصحية في الجامعة الأميركية لم يقدّم الأجوبة الوافية عن هذه المسألة. فقد اكتفى بعرض دراسات دولية حول الأثر الصحي لطمر النفايات أو حرقها، من دون التدقيق في كيفية الطمر ولا في كيفية الحرق والمواد المكوّنة للنفايات. كما لم يفسّر التقرير العلاقة السببية بين الانبعاثات وظهور الأمراض، لاسيما السرطانية منها. وقد اقترح التقرير في النهاية مقاربة عادية لحل الأزمة لا ترقى الى مستوى الكارثة ولا تراعي خصوصيات الحالة اللبنانية.

بالرغم من ذلك، تشير الدراسات المقارنة بشكل لا يحتمل الشك، إلى أن حرق النفايات أو طمرها بشكل عشوائي، يتسبب بزيادة الإصابة بأمراض متعددة وخطيرة. فعملية طمر النفايات (العشوائي) مرتبطة بارتفاع نسبة الإصابة بسرطان البنكرياس والجلد عند الرجال، وبالتشوهات الخلقية كالعيوب الخلقية في النظام العصبي، وبانخفاض وزن الرضع، وبزيادة معدلات الإصابة بالربو، وبالأمراض التنفسية. من جهة أخرى، ترتبط عملية حرق النفايات بارتفاع خطر الإصابة بسرطانات القولون، الحنجرة، والمعدة، والتشوّهات الخلقية كالعيوب في المسالك البولية، وبخلل في الجهاز التنفسي وزيادة معدل الوفيات الناجمة عن الأمراض التنفسية.

تعود تلك النتائج إلى الملخص الذي أعدّه «مركز ترشيد السياسات الصحية (K2p) في «الجامعة الأميركية في بيروت» بعنوان «مقاربة أزمة النفايات في لبنان: تقييم التداعيات الصحية للخيارات واقتراحات للحلول». قام بإعداد الملخص الباحثون في المركز نادين هلال، رشا فضل الله، ديانا جمال، فادي الجردلي وارتكز على دراسة منهجية من خلال جمع وتحليل دراسات دولية، نشرت في بلدان مختلفة وعلى دراسة أشرفت عليها أستاذة الكيمياء في الجامعة الأميركية الدكتورة نجاة صليبا بيّنت وجود ملوثات جديدة بعد عمليات إحراق النفايات في الشوارع مؤخراً.

لم تشر الدراسات الدولية إلى ارتباط عملية طمر النفايات بارتفاع الإصابة بسرطانات أخرى مثل القولون، الكبد، المثانة، الرئة، الثدي، الرحم، البروستات، المعدة، والجلد. وتظهر الدراسات نتائج متباينة في شأن أثر طمر النفايات على سرطانات الكلى، الغدد اللمفاوية، والدماغ، وعلى العيوب الخلقية في الجهاز العصبي. بينما لا تبين الدراسات العلمية وجود رابط بين حرق النفايات والإصابة بسرطانات «myeloma الورم النقوي»، المثانة، البروستات، والجهاز اللمفاوي، وانخفاض وزن المواليد الجدد، أو الإجهاض الفجائي. وهناك نتائج متباينة في شأن أثر حرق النفايات على الإصابة بسرطانات الثدي، الرئة، القولون، والكبد.

تشرح هلال أن حرق وطمر النفايات بشكل عشوائي يؤديان إلى تسرُّب السموم في الهواء والمياه والتربة، ما يفسر زيادة معدل الإصابة ببعض الأمراض. وتلفت هلال إلى عدم وجود مؤشرات لتسجيل زيادة في حالات التسمم الغذائي أو الأمراض المعدية في لبنان مرتبطة بأزمة النفايات.

أما الآثار البيئية العامة لعملية حرق وطمر النفايات فترتكز على ارتفاع ظاهرة الاحتباس الحراري بسبب انبعاث غاز ثاني اوكسيد الكربون، وعلى انتشار السموم، وحالات الاختناق، زيادة مخاطر الاشتعال والحرائق، انخفاض المحاصيل الزراعية بسبب المواد السامة وتدهور نوعية التربة، ونفوق الحيوانات التي ترعى النباتات الملوثة بالسموم.

اكتشاف ملوثات جديدة

يشير التقرير إلى دراسة محلية في شأن مستويات الملوثات الضارة الناجمة عن حرائق النفايات وأثرها على الصحة العامة والتي أشرفت عليها أستاذة الكيمياء في «الجامعة الأميركية» الدكتورة نجاة صليبا.

بدأ فريق الوحدة البحثية حول نوعية الهواء بقياس مستويات مواد «الدّيوكسين» و»الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات» في الهواء على سطح مبنًى سكني بالقرب من مكبّ عشوائي يتم إضرام النيران فيه بشكل شبه دوري. وتشير نتائج الدراسة إلى ارتفاع معدل المادة المسرطنة «الديوكسين» بنحو ٤۱٦ مرّة، بالمقارنةً مع نتائج دراسة أُجريت في العام ۲۰۱٤ في إحدى المناطق الصناعية في لبنان.

تبين الدراسات السابقة احتمال إصابة نسبة بالغ واحد و 4 أطفال من كل مليون نسمة (يتعرضون لهذه الانبعاثات خلال الحياة) بالسرطان. وتعتبر هذه النسبة مقبولة وفق معايير حماية البيئة الأميركية. غير أن المستويات الحاليّة، تشير الى ارتفاع هذه النسبة إلى ٣٤ بالغاً و۱۷٦ طفلاً من كل مليون نسمة في المناطق السكنية المكتظة، حيث يتم إضرام الحرائق في أكوام النفايات. وتعتبر مادة «الدّيوكسين» من الملوّثات الثّابتة، أي التي تبقى في الهواء وتعلّق على الأسطح والأجسام الجامدة والحية، وتتسرّب في التربة لفترات طويلة.

من جهة أخرى، بيّنت دراسة مستويات الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات وجود مادة الـ «داي بنزو أنثراسين» , للمرة الأولى، في الهواء المحيط في لبنان. وتعتبر هذه المادة مسرطنة من الدرجة الأولى وفق معايير منظّمة الصحة العالمية، وهي تنتج بشكل رئيس عن الاحتراق غير الكامل للنفايات. فيرتفع خطر الإصابة بالسرطان في المناطق السكنيّة حيث يتم إحراق النفايات، بسبب أثر تلك المادتين، إلى نسبة ٣۷بالغاً و۱٨٦ طفلاً من كل مليون نسمة.

الادارة المتكاملة هي الحل

يجد الملخص ان مقاربة «الإدارة الكاملة المستدامة للنفايات» الحل الأفضل لأزمة النفايات في لبنان. تم وضع هذه المقاربة من قبل منظمة غير حكومية هولندية في منتصف الثمانينيات وطوّرتها فرق عمل متخصصة بإدارة النفايات الصلبة في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط في منتصف التسعينيات، حتى أصبحت معياراً مذ ذلك الوقت. تعتمد تلك المقاربة على رؤية شاملة لحماية البيئة والصحة العامة والمحافظة على الموارد الطبيعية والتنمية المستدامة وتهدف إلى تحقيق التوازن بين العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية مع اشراك جميع الفرقاء المعنيين. ترتكز المقاربة على تقليص حجم النفايات من المصدر، وإعادة التدوير والاستخدام بعد المعالجة، واستعادة الطاقة، وتخفيض كمية النفايات قبل التخلص منها باعتماد المعالجة الكيميائية، الحرارية، البيولوجية، واعتماد الحرق المسيطر عليه والمطامر المدروسة.

على مستوى الحكومة، يجب على الدولة أن يكون لها الإرادة السياسية لحل مشكلة النفايات من خلال طلب الاستشارة التقنية والصحية والاقتصادية لاعتماد الحل الأفضل، مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية تلزيم البلديات بمعالجة النفايات ودعمها بالتقنيات والأموال. اما على مستوى البلديات: انشاء مطامر ومواقع معالجة ومحارق بعيدة عن المناطق السكنية بحدود عشرة كيلومترات، الابتعاد عن مصادر المياه، قياس انبعاثات المواد السامة بشكل روتيني وفحص تلوث المياه، تشجيع الأهالي على الفرز والتدوير، التعاون مع منظمات المجتمع المدني والحكومة واشراك المجتمع في أخذ القرار وتنفيذ الحلول.

اما على مستوى القطاع الصحي، فالمطلوب رصد أقوى للأمراض المعدية على المدى القصير والأمراض الأخرى على المدى الطويل، والتبليغ عن الإصابات بشكل فوري لتفادي انتشار الأوبئة، ورفع الوعي المجتمعي للتقيد بالإرشادات الوقائية.

أما على مستوى المجتمع: فيفترض تقليص حجم النفايات، وفرزها، وعدم حرقها، والتقيد بالإرشادات الصحية أثناء تحضير الطعام وتفادي مخالطة الأشخاص المصابين بأمراض معدية.

ماذا تفعل البلدان الأخرى؟

البلدان ذات الدخل المنخفض (مثل أثيوبيا، غانا، هايتي، ليبيريا، النيبال، زيمبابوي): تعتبر عملية تقليص النفايات من المصادرغير منظمة، وعملية جمع النفايات غير فعالة. لا يتم اعتماد الحرق بتقنيات متطورة ما يؤدي الى زيادة نسبة التلوث في المياه الجوفية وغيرها. تخصص البلديات نسبة 80 إلى 90 في المئة من ميزانيتها لجمع النفايات مقابل حصة بسيطة للتخلص منها.

أما البلدان ذات الدخل المتوسط (مثل الصين، مصر، الهند، ايران، المكسيك، بولندا): فهناك محاولات في خفض مصادر النفايات مع ندرة البرامج المنظمة. تسجل تلك البلدان ارتفاعاً في معدلات إعادة التدوير بتقنيات متطورة. وتواجه عملية حرق النفايات مشاكل في مراقبة تلوث الهواء. وبالرغم من وجود المطامر الصحية ما زال هناك ردم عشوائي للنفايات. تخصص البلديات نسبة 50 على 80 في المئة من ميزانيتها لجمع النفايات.

اما البلدان ذات الدخل المرتفع (مثل بلجيكا، كندا، قبرص، الدانمارك، فنلندا، فرنسا، المانيا، إيطاليا، كوريا، الكويت، اسبانيا، السويد، الإمارات العربية المتحدة، الولايات المتحدة)، فهي تشدد على تقليص حجم النفايات وإعادة استعمالها وتدويرها بتقنيات عالية. تراعي عمليات الحرق المؤشرات البيئية بينما تفوق كلفتها كلفة الطمر بثلاث مرات للطن الواحد. لا تتجاوز كلفة جمع النفايات نسبة 10 في المئة من ميزانيات البلديات ما يدل على ان استخدام التقنيات المتطورة يقلل من المصاريف المادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى