مقالات

المعلّم في اليابان أهمّ مِن الوزير.. فماذا عن لبنان؟

شهدت بعض الدول الآسيوية نهضة اقتصادية لافتة بعد الحرب العالمية الثانية، كان عامود ارتكازها القطاع التعليمي، وعبَّد مداميكَ بنائها “المعلّمون”، فالمعلّم في اليابان أهمّ مِن الوزير والدبلوماسي، وفي أندونيسيا هو “الإنسان النبيل”.

دوَل كثيرة أدركت أهمّية الأستاذ، واكتشفَت أنّه مفتاح التطوّر المجتمعي، الذي من خلاله تُفتَح عقول آلاف الطلّاب والأجيال، فمتى سيُستخدم هذا المفتاح في لبنان؟

يُحتفَل في التاسع من آذار من كلّ عام في لبنان بعيد المعلّم، فتُغلَق المدارس، وتدعو إداراتُها الأساتذة إلى مآدب الغداء، ويقدّم التلاميذ إلى أساتذتهم الهدايا والورود، وتُقطَع قوالب الحلوى… إلّا أنّ المعلّم الذي يتصدّر السلّم التعليمي الثقافي، يقف على الدرجات الدنيا من السلّم الاجتماعي الاقتصادي.

معلّم صانع

الأمّ والأب يقومان بتربية أولادهما، والبِكر في العائلة يوجّه أخوتَه ويُساعدهم، رَجل الأعمال يوظّف عدداً محدّداً من الشباب، المدير يُساهم بتعليم وتدريب عدد من الموظفين… إلّا أنّ “المعلّم” هو الشخص الوحيد الذي يقوم بتربية العدد الأكبر من التلاميذ وتعليمهم وتوجيههم ومساعدتهم واحتضانهم.

المُعلّم يَصنع الأمّهات والآباء والمدراء ورجال الأعمال والأطبّاء.. فمن يَصنع المعلِّم؟ وكيف يُكافأ؟

المعلّم فردٌ من أفراد المجتمع، يحتاج إلى مردود جيّد مقابل عمله كي يستطيع أن يعيش هو وعائلته حياةً لائقة، كما أنّه بحاجة إلى أن يكون مرتاحاً مادّياً ونفسياً ولا تُثقل كاهلَه الهموم المعيشية اليومية، كي يكون صافيَ الذهن ويؤدّي مهمّته التعليمية على أكمل ما يكون.

هذا ما قامت به معظم الدول، حيث يظهر أنّ متوسط الدخل الفردي السنوي للمعلّم مرتفع جداً، ويتخطّى مستوى دخل المعلّم في لبنان بأضعاف مضاعفة.

ويُقال أنْ سُئل إمبراطور اليابان ذات يوم، عن أسباب تقدّم دولته في هذا الوقت القصير، فأجاب: “بدأنا من حيث انتهى الآخَرون، وتَعلّمنا من أخطائهم، ومنَحنا المعلّم حصانة الدبلوماسي وراتبَ الوزير”.

أجمل هدية

بالانتقال إلى لبنان، يقول نقيب المعلّمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض، لـ”الجمهورية”: “لا تقديرَ لأهمّية دور المعلّم في صناعة البشَر ومستقبل البلد، في لبنان لا يُعطى قطاع التعليم أيّ أهمّية، ما ينعكس سلباً على هذه المهنة، فكلّ دوَل العالم تَقدّمت عندما أعطت المعلّمين حقوقهم وقامت بتدريبهم وتأهيلهم”.

وعن مواكبة المعلّم التطوّرَ المهني والتكنولوجي، يَعتبر محفوض أنّ “الأكفّاء يبتعدون حاليّاً عن مهنة التعليم، خصوصاً مَن لديهم مؤهّلات ومهارات في إدارة الصفّ والتواصل وعِلم النفس والمهارات التقنية الحديثة”، متابعاً بأسى: “راتبُ المعلّم لا يكفي لأسبوع واحد، فكيف سيخضع لدورات تدريبية؟ هذه مسؤولية المدارس والدولة”.

ما هي أجمل هدية تلقّاها محفوض من تلاميذه؟ يقول: “منذ ما يقارب الـ15 سنة أجريت عملية بالأوتار الصوتية ومنَعني الطبيب من التكلّم لمدّة شهر، إلّا أنّني كنتُ أذهب إلى المدرسة وأعلّم من خلال الكتابة على اللوح، وفي أحد الأيام لم تكفّ إحدى الطالبات عن المشاغبة ما دفعَني إلى تركِ الصفّ للمرّة الأولى، فأتى جميع التلاميذ إليّ في اليوم التالي واعتذروا منّي وقدّموا لي هديةً هي حاملة مفاتيح محفورٌ اسمي عليها، ما أثّرَ بي كثيراً، لأنّهم قدروا أنّني رغم مرضي لم أتوقّف عن تعليمهم، وما زلت أحتفظ بالهدية لغاية اليوم”.

ومِن الطلّاب الذين أثّروا بمحفوض، إحدى الطالبات التي “اتّصلت بي خلال التحرّكات التي قامت بها النقابة وأخبرَتني أنّها درسَت الحقوق وتتبوّأ مركزاً مهمّاً في محكمة العدل الدولية في لاهاي وأنّها أحبَّت أن تعبّر لي عن اعتزازها بما نقوم به”.

المعلّم جندي

من جهته، يَعتبر رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي عبدو خاطر أنّه “كما يُحارب الجندي على الحدود كي يحميَ أرضَ الوطن وشبابَه، فالمعلّم يَحمي الشباب من خلال تعليمهم وتطوير أفكارهم ونشأتهم وتربيتهم، ومثلما بقيَت تقديمات ورواتب الجندي هي نفسُها منذ 20 سنة، فكذلك المعلّم، ولم ولن نتخلّى عن المهمّة التي كلّفنا أنفسَنا بها وهي تربية النشء”.

يقوم خاطر بممارسة مهنة التعليم منذ ما يُقارب الـ41 سنة، ولديه الكثير من الطلّاب الأصدقاء، ومنهم من لمعوا وتبوَّؤوا أعلى المراكز ووصَلوا إلى مراتب اجتماعية عليا مثل الوزير السابق زياد بارود، الإعلامي ريكاردو كرم، الإعلامية كارين بستاني، الفنّانة نانسي عجرم، وعدد كبير من الأطبّاء والمهندسين والمحامين وحتى الأساتذة”.

والهدية التي أثّرت به كانت رسالة من إحدى الطالبات، ويقول ذاكراً اسمَها الذي لن ينساه: “بعد سنتين من بداية ممارستي مهنة التعليم، تلقّيت رسالة من تلميذتي كتبَت فيها باللغة الفرنسية (خُلقتَ كي تكون أستاذاً) ما أعطاني دفعاً كبيراً وحمَّلني مسؤولية أكبر”.

عن دور المعلّم في تطوير المجتمع ونموّه يقول خاطر: “لعبنا دوراً كبيراً في توعية الشباب وفي دفعِهم إلى حبّ وطنهم، لكنّ هناك مغناطيساً طائفياً يشدّهم دائماً، وهذا بسَبب الثقافة العامّة المسيطرة، وبسَبب الصراعات السياسية الطائفية”.

نعمة محفوض قام بتعليم معظم طلّاب طرابلس، إلّا أنّ راتبه الشهري أدنى من قسط ابنِه الجامعي، فللأسف من يُعلّم أولادَ الناس لا يستطيع تعليمَ ابنِه! وحالُ جميع الأساتذة تشبه حالَ محفوض، على أمل أن نعيَ قبل فوات الأوان أنّ أيّ بئرٍ سينضب ويجفّ إنْ لم يستمرّ المطر بالهطول. وعندما يجفّ البئر من سيروي الأرض والإنسان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى