أخبار دولية

مصر: حذاء في وجه التطبيع

برغم مرور ما يقرب من أربعة عقود على توقيع اتفاقية كامب ديفيد، ما زالت مصر عصية على التطبيع الكامل مع العدو الإسرائيلي، وتحديداً على المستوى الشعبي.

وبالرغم من أن مصر تمتلك علاقات ديبلوماسية كاملة مع إسرائيل، إلا أن كل محاولات التطبيع ظلت أسيره للرفض الشعبي بين عموم المصريين، الذين يعتبرون التعامل المباشر مع الكيان الصهيوني من الأمور المحظورة، حيث لا عزاء لـ«اتفاقية السلام».

ولعلّ ما حدث خلال الأعوام الخمسة التي أعقبت «ثورة 25 يناير» تُظهر أن المناخ الشعبي الرافض للتطبيع يسير بعكس ما تشتهي سفن السياسة، وهو ما تشهد عليه الكثير من الأحداث، لعلّ أبرزها مشهد اقتحام السفارة الإسرائيلية في حي الدقي في القاهرة، وعاصفة الانتقادات التي لاحقت الرئيس المعزول محمد مرسي بعد رسالة «عزيزي الصديق العزيز» التي وجهها الى شمعون بيريز.

وبالرغم من الانطباع العام بأن المناخ الشعبي المصري قد استكان في ما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهو ما تبدّى في التفاعل الشعبي الفاتر إزاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة ـ وهو ما يعزوه البعض الى الموقف من حركة «حماس» ـ إلا أن واقعة حدثت، أمس الأول، تحت قبة البرلمان، أعادت إحياء الأمل، ولو جزئياً بأن مصر عصيّة على «التطبيع».

تلك الواقعة تتعلق بـ«اللقاء الفضيحة» بين النائب المثير للجدل توفيق عكاشة والسفير الإسرائيلى لدى مصر حاييم كورين الأسبوع الماضي.

البرلماني المصري لم يكتف باستقبال السفير الإسرائيلي في منزله على العشاء، لا بل نشر مجموعة من الصور عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي الى جانب كورين.

ثارت موجة من الرفض والانتقادات الشعبية لدى معظم المصريين إزاء الواقعة التي تُعدّ الأولى فى تاريخ البرلمان المصري، الذي ما زال يوازن بين الاعتراف باتفاقية كامب ديفيد على المستوى الرسمي من جهة، والمناخ الشعبي العام الرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني من جهة أخرى.

موجة الانتقادات للقاء الفضيحة شارك فيها عدد من البرلمانيين المصريين الذين طالبوا بإحالة عكاشة على التحقيق، وإسقاط عضوية مجلس النواب عنه، مطالبين بمناقشة الموضوع أمام الجلسة العامة يوم أمس الأول.

لكن أجواء البرلمان كانت دون المستوى المطلوب، في مثل هذه القضية الحساسة، لا بل إن وكيل مجلس النواب سليمان وهدان ذهب الى حد القول إن اللقاء بين عكاشة والسفير الإسرائيلي «أمر شخصي»، لا دخل له بمجلس النواب، ولا يمثل البرلمان في شيء، مؤكداً أن البرلمان لا يستطيع فصل عكاشة بسبب وجود معاهدة السلام (كامب ديفيد).

كان يمكن للموضوع أن يمر من دون حساب، لولا أن «مصر ولّادة»، فأثناء انعقاد الجلسة البرلمانية فاجأ النائب الناصري كمال أحمد الجميع بأن خلع حذاءه ورماه في وجه عكاشة، وذلك بعدما أثار غضبه أمران: الأول، اللقاء الذي جمع زميله النائب بالسفير الإسرائيلي، والثاني، الهجوم الذي شنه عكاشة، عبر قناة «الفراعين» يوم السبت الماضي، على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

إثر ذلك، تدخل النواب لمنع وقوع اشتباك بين النائبين، قبل أن يقوم علي عبدالعال، رئيس البرلمان، برفع الجلسة، وطرد عكاشة وكمال خارج القاعة، وإحالتهما للتحقيق.

وفي رده على واقعة ضربه بالحذاء، والانتقادات التي وُجهت إليه بسبب اللقاء مع السفير الإسرائيلي، طالب عكاشة منتقديه بـ «التحلي بالشجاعة الأدبية للمطالبة بإلغاء اتفاقية السلام» بين مصر وإسرائيل، بدلاً من «الاعتداء» عليه، مؤكداً انه أَخطرَ جهاز المخابرات العامة المصرية بأمر اللقاء مع كورين، ومتحدياً المعترضين بأن يطالبوا بطرد البعثة الديبلوماسية الإسرائيلية من مصر.

«السفير» التقت النائب أحمد كمال، الذي قال إن واقعة الحذاء تحمل أكثر من رسالة.

وقال كمال أحمد لـ«السفير»: «اعتدائي بالجزمة على توفيق عكاشة لم يكن موجهاً إليه فحسب، وإنما للكنيست الإسرائيلي وللكيان الصهيونى بأكمله، ولرئيس الوزراء الإسـرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الإسرائيلي في القاهرة أيضاً».

وأضاف «ليعلموا جميعاً أن الجزمة هي رد الشعب المصري عليهم، وعلى من يُطبِّع معهم، وهذا موقفي ضد كل من تسوّل له نفسه التطبيع مع بلد أراق دماء المصريين، واحتل جزءاً من الوطن».

وبعد إحالته إلى التحقيق بسبب واقعة «الحذاء»، طالب بعض النواب، ومن بينهم مرتضى منصور بإسقاط عضوية كمال أحمد من المجلس النيابي، بسبب «مخالفته الأعراف البرلمانية».

على هذا الأمر، رد النائب الناصري، في حديثه الى «السفير»، قائلاً: «لستُ متسولاً للعضوية، ولا تهمني مطالبتهم بإسقاطها من عدمه. لقد تصرفت بما يتفق مع مواقفي وتاريخي».

ورأى أحمد أن «إسرائيل تحاول فتح ثغرة فى جدار التطبيع وجدار العزلة العربية من خلال البرلمان المصري عن طريق النائب توفيق عكاشة، ولذلك كان يجب أن أسارع الى سد هذه الثغرة بالحذاء، لافتاً إلى أن «عكاشة يعلم جيداً ما الذى يفعله، وليس كما يردد البعض، بأنه لا يعرف ولا يدرك ما يفعله.

ووصف أحمد عكاشة بأنه «نائب التطبيع». وأضاف «التاريخ مواقف، وسيسجل أن ثمة جزمة رُفعت في وجه الكيان الصهيوني تحت قبة البرلمان، وهو لن يتوقف عند من رُفعت الجزمة في وجهه».

وحول مدى قانونية ما قام به عكاشة، قال أحمد إنه يُقدِّر موقف الدولة المصرية، التي وصفها بأنها «بين نارين»، الأولى هي اتفاقية كامب ديفيد التي «تكبّل» يديها وتسبب لها إحراجاً دولياً إذا لم تلتزم بها، والثانية موقف الشعب المصري الذي يرفض التطبيع جملة وتفصيلاً مع الكيان الصهيوني.

وقال أحمد إن «مصر لن تركع لأمثال توفيق عكاشة، وللكيان الصهيوني الذي يستخدمه»، مشدداً على أن «مصر تاريخ من النضال ضد العدو الصهيوني لا يباع».

واتهم أحمد توفيق عكاشة بأنه «خان دماء المصريين فى بحر البقر، وأهان عبدالناصر الزعيم الخالد، وأهان دماء المصريين، وكان على المجلس أن يُسقط عضويته».

وحول المطالبة بإلغاء أو تعديل اتفاقية كامب ديفيد، قال أحمد إن «ذلك سيؤجَل لحين آخر لأن الظرف المصري الآن لا يسمح بإلغاء المعاهدة، فمصر محاطة بقضايا الإرهاب من كل حدودها»، مضيفاً أن «مصر مع السلام العادل الذي يعطي الشعوب العربية حقوقها وفقاً لمقررات الأمم المتحدة، بما في ذلك أرضنا العربية في الجولان، وأرضنا الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني، وحين يحدث السلام الحقيقي سيكون هناك التعايش السلمي، وأما بخلاف ذلك، فسنقف حائط صد ضد المطامع الإسرائيلية، وإذا حاول أحد منهم، أو زجوا بأحد، لكسر هذا الجدار، فسنقوم بمواجهته بقوة».

ومن الجدير بالذكر أن واقعة ضرب عكاشة بالحذاء، لم تكن أولى الوقائع المثيرة للجدل للنائب كمال أحمد، المتعصب للأفكار الناصرية، لا بل كانت له وقائع أخرى مهمة، فهو كان من أشد معارضي الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، وقد زَجّ به السادات في السجن في ما عُرف بـ «اعتقالات سبتمبر» العام 1981، وذلك على خلفية رفضه اتفاقية كامب ديفيد.

ومن الوقائع الشهيرة للنائب أحمد وقوفه في برلمان العام 1976، في حضور الرئيس أنور السادات، حاملاً بيضة احتجاجاً على ارتفاع أسعار البيض، فرد السادات بمقولته الشهيرة «عيب يا كمال.. إنت في حضرة رئيس الجمهورية».

من جهته، قال عاطف المغاوري، البرلماني السابق، ونائب رئيس «حزب التجمع»، فى حديث الى «السفير»، إن جميع ردود الأفعال الرافضة لما قام به عكاشة، وعلى رأسها «واقعة الحذاء» التي قام بها النائب كمال أحمد، أكدت أن التيار الجارف في المجتمع المصري، ما زال رافضاً لمسألة التطبيع مع إسرائيل، بشكل واضح وصريح.

واعتبر المغاوري أن «على المجتمع المصري أن يفرّق ويميز ما بين الأداء الرسمي للدولة الذي فرضته ظروف واتفاقيات مرفوضة شعبياً، وبين شخص يسمح لنفسه بأن يتكلم فى قضايا أمن وطني وقومي مع كيان ما زال الشعب المصري يعتبره العدو الرئيسي، برغم كل المحاولات التي تجري فى المنطقة العربية لاستحداث صراع طائفي ومذهبى بديلاً عن الصراع العربي الإسرائيلي».

وحول الأصوات الرافضة لما قام به النائب كمال أحمد، والتي تهجم بعضها على كل من يحافظ على الثوابت الوطنية للشعب المصري، ووصف ذلك بأنه «خطاب ناصري» أو «خطاب الستينيات»، قال المغاوري إن «هؤلاء يسيؤون إلى مصر ويقدمون إهانة مجانية للشعب المصري».

وأوضح قائلاً «مصر في عام 1948، رفضت الكيان الصهيوني وتصدت له وقدمت الكثير من الشهداء، ولم تكن في حينه ناصرية، وإنما كانت ملكية… واليوم لا يمكن ادّعاء التعقل أمام عدو لم يقدم دليلاً واحداً يثبت فيه أنه يجنح للسلام. كل هذه تنازلات بلا مقابل للكيان الصهيونى، وتجعله يشعر بالقوة».

ورأى المغاوري أن «ما حدث سيتكرر أمام أي محاولة أخرى للتطبيع، مشيراً إلى أن «واقعة الحذاء» تذكّر بحذاء منتصر الزيدي الذي كان «خير وداع لجورج بوش فى العراق».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى