أخبار محلية

الحريري قلق وواشنطن لا تمانع… بشروط

وضع الحكم السعودي نصب عينيه هدفاً جديداً في لبنان، وهو «إرهاق حزب الله». يريد ذلك بشتى الطرق، ولو على «جثة» المصالح الاقتصادية للبنانيين جميعاً، وفي مقدّمهم القوى السياسية الموالية لنظام آل سعود. هذه القوى تعبّر عن القلق، وإن كان مكتوماً في حالة الرئيس سعد الحريري، فقد اختار النائب وليد جنبلاط التعبير عنه بطريقة «فجّة»، محذّراً، على طريقته، من وجود سياسة للإطاحة بالكيان اللبناني. ماذا تفعل واشنطن؟ لا تمانع أبداً أي عون لها في وجه قوى المقاومة. لكنها في الوقت عينه تحذّر من المساس بالامن اللبناني. أما حزب الله، فيحافظ على هدوئه، مطمئناً إلى قواه الذاتية وأحواله في الإقليم والعالم.

لم يتوقف بعد قطار الجنون السعودي. النظام الحاكم للجزيرة العربية، ينوي، بحسب المعلومات المتداولة في لبنان وعلى ألسنة دبلوماسيين غربيين وعرب، المباشرة بسلسلة إجراءات عقابية إضافية بحق اللبنانيين، في المجالين السياسي والاقتصادي. وسيكون إلى جانبه النظام الإماراتي، مع سعي إلى حشد أكبر عدد ممكن من الدول العربية. المعلومات تشير إلى زيادة وتيرة عمليات طرد اللبنانيين من الخليج، إضافة إلى «محاولة إيجاد آلية لمراقبة التحويلات المالية». ما يصل إلى بيروت من الرياض وأبو ظبي وعواصم أخرى يُقلق بالدرجة الأولى القوى الموالية للسعودية، وفي مقدمها الرئيس سعد الحريري.

والأخير، بحسب مقربين منه، بات يرى أن الإجراءات السعودية مبالغ بها، وخاصة بعدما وردته «تهديدات» بإمكان حظر رحلات شركات الطيران الخليجية إلى مطار بيروت ومنه. وبسبب تخوفه من نتائج هذه الإجراءات، آلى على نفسه الالتزام بطريقة والده في لحظات مشابهة: التخفيف من الكلام ذي المعاني السياسية، سواء في العلن أو في الاجتماعات المقفلة، والتركيز على الشعارات «الجامعة»، كبناء الدولة وغيره. قوى 14 آذار، وشخصيات سياسية من جهات مختلفة، سمعت كلاماً واضحاً من دبلوماسيين أميركيين يزعمون فيه أن إدارة بلادهم تعارض كل ما يمكن أن يمس باستقرار لبنان وأمنه. وكان المتصلون بالدبلوماسيين الأميركيين ينتظرون زيارةَ موفدٍ أميركي للرياض، يحث حكام السعودية على عدم اتخاذ إجراءات تمس الأمن والاقتصاد اللبنانيين. لكن هذا الموفد لم يظهر بعد. يقول الأميركيون، بحسب مصادر دبلوماسية وأخرى محلية، إن واشنطن ملتزمة بصورة «تامة ومتوازية بأمن السعودية ولبنان واستقرارهما. وهي تحذر من المس بالاستقرار الأمني والاقتصادي للبنان». وهي تقول إنها لا تمانع «إرهاق حزب الله وبيئته، لكن مع الحرص على عدم إغضاب الحزب واستدراجه الى انقلاب كبير. ولذلك، فهي مع بقاء الحكومة اللبنانية ومع تسوية في ملف الانتخابات الرئاسية». لكن من الواضح أن السعوديين يستفيدون من هذا «الهامش» الواسع جداً، المسمى مواجهة حزب الله، وهو ما رفعت الإدارة الأميركية من مستواه في الأشهر الماضية. ويبدو التنسيق السعودي الأميركي، أو على الأقل التلطّي السعودي في الظل الأميركي، جلياً من خلال قرارات العقوبات السعودية بحق من يصفهم الحكم في الرياض بالناشطين في حزب الله، أو الشركات التي يتهمها بالتابعية للحزب. فلوائح العقوبات السعودية شبه مطابقة للوائح الأميركية.

الحريري يخشى من تسليم الشارع للمتطرفين ويؤيد تسويات داخلية

وغير بعيد عن لبنان، يبرز قلق أميركي متزايد من تعقيدات الوضع السعودي الداخلي، ما دفع واشنطن الى خطوات «احترازية»، منها:

ــ اللجوء إلى تدخل دائم يمنع انفجار العائلة الحاكمة ويحول دون انهيار المملكة. فالتقارير الواردة إلى واشنطن تتضمن معلومات يومية عن الخلافات داخل العائلة، وخصوصاً بين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان. ثم إن الموالين للسعودية في لبنان، ومنهم الحريري، أفصحوا عن مخاوف على الاستقرار السياسي في المملكة، نتيجة ما يعرفونه عن خلافات، وهم يتحدثون عن الدور الأميركي الضاغط المانع للانفجار، وخصوصاً بين بن نايف وبن سلمان.

ــ سعي أميركي متواصل لاحتواء المشكلات، وخصوصاً مع تزايد الأخبار عن نية محمد بن سلمان إقناع والده بتنحية محمد بن نايف وتوليته هو (محمد بن سلمان) منصب ولي العهد. فابن الملك يعرف أن وصوله الى رأس هرم السلطة غير ممكن إلا في حياة والده، فيما يحذر بن نايف من انفجار في العائلة. ودفع هذا الأمر دبلوماسيين أميركيين إلى الحديث عن صيغة حل، تقضي بجعل بن نايف ملكاً، مع تقديم ضمانات لبن سلمان بعدم إزاحته عن ولاية العهد، وتهدئة مخاوفه، لجهة أن ابن نايف ليس لديه أبناء ذكور، وأن بالإمكان إدخال تعديلات على صلاحيات الحكام بما يتيح لولي العهد تولي مسؤوليات تنفيذية رئيسية، عسكرية وأمنية واقتصادية.

ــ توسيع حضور المستشارين الأميركيين، بمن فيهم الأمنيون، وافتتاح مكاتب لهم في مناطق سعودية عدة، وإدارة «عملية إحاطة للحكم ومندوبيه».

ــ طلبت الولايات المتحدة، للمرة الأولى، تدخلاً مباشراً لبريطانيا من أجل المساعدة على منع انهيار الحكم السعودي، نتيجة خبرة المملكة المتحدة في هذا البلد وفي الجزيرة العربية ونفوذها في الدول المجاورة.

وهذه الخطوات هي نتيجة لواقع تراه المؤسسات الأميركية صعباً، للأسباب الآتية:

ــ ازدياد خشية واشنطن من عدم قدرة الحكم السعودي على المواءمة بين متطلبات الحروب التي تورط فيها، وبين عائدات المملكة المالية، وخصوصاً في ظل الحديث عن أن الحكم سحب حتى الآن نحو 184 مليار دولار من احتياطه السيادي. ونقل موقع «بزنيس انسايدر» أمس عن مصرف «بنك أوف أميركا ميريل لينش» تقديره أن الاحتياطي السعودي لن يكفي سوى لفترة تمتد إلى ما بين 3 سنوات و5 سنوات، في حال استقرار أسعار النفط عند 30 دولاراً للبرميل، حتى لو خفضت الحكومة إنفاقها بنسبة 25 في المئة (موازنة عام 2016 تضمنت خفضاً للإنفاق بنسبة 14 في المئة).

ــ تراجع العائدات المالية يواكبه ركود اقتصادي ناتج بالأساس من تراجع الإنفاق الحكومي، وهو ما يدفع الى أمرين: الأول، وقف تسلّم المشاريع المتعاقد عليها، لعدم توفر أكلاف المرحلة النهائية؛ والثاني، وقف إطلاق مشاريع أخرى كانت مقررة. ويدفع ذلك شركات أجنبية الى تقليص حضورها في السعودية، وإلى تخفيف عدد العاملين المتفرغين، وهو إجراء يشمل شركات سعودية. ودفعت المناخات المقلقة بالحاكم الى تحذير كبار رجال الأعمال من الاستثمار خارج المملكة، تحت عنوان «منع خروج الرساميل» من البلاد.

ــ تراجع التصنيف الائتماني للسعودية، جعل شركات مالية عالمية، تطلق وللمرة الأولى في تاريخ المملكة الحديث، منتجاً مالياً جديداً، يقوم على أساس بيع الدولار بستة ريالات سعودية خلال 40 شهراً.

كيف ينعكس ذلك على السياسة السعودية في لبنان؟

رجال السعودية في العالم العربي، ومنهم لبنان، في حالة إرباك. وربما يبدو سعد الحريري أكثر من يتأثر بالأمر. والسؤال الذي لم يجد كثيرون في لبنان الإجابة عنه بعد: هل عاد الحريري إلى بيروت وهو على علم بتفاصيل خطة سعودية للتصعيد الشامل؟ أم أنه أتى وبدأت الأمور تلاحقه؟ الثابت حتى الآن أنه كان على علم بوقف العمل بالهبتين السعوديتين إلى الجيش اللبناني، قبل يومين من إعلان القرار.

حزب الله مرتاح: وضعنا أفضل ذاتياً ومحلياً وإقليمياً ودولياً

كما أنه تدارس مع قيادات في تياره، في بعض الخطوات الخليجية قبل صدورها. نهاد المشنوق مثلاً، كان على اطلاع على بعض التفاصيل، لكنه لم يلجأ الى ابتداع هامش مستقل عن الحريري. وهو الخطأ الذي ارتكبه أشرف ريفي، الذي ذهب بعيداً في تفسير وتأويل ما سمعه من جهات سعودية عن تصعيد كبير في لبنان. بل إن الحريري يشكو من صقور التيار الذين يوغلون في التحريض، من دون أن يقدر على قمعهم، بل يجاريهم في بعض الخطوات، لأنه يخاف غضباً سعودياً عليه.

ــ السفير السعودي في بيروت، علي عواض العسيري، طلب تدخل شخصيات لبنانية ودبلوماسيين أجانب، لتجنب صدور قرار بإقفال السفارة في بيروت. واستفاد العسيري من توجه الوفود السياسية والشعبية إلى السفارة، لإظهار وجود دور لها في بيروت، وإلا لكان من المفترض أن يجري خفض التمثيل الدبلوماسي السعودي، أسوة بحال دولة الإمارات العربية المتحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى