مقالات

مُواجهة “حزب الله” في عقر داره… والنتائج الكارثيّة!

منذ إنفجار الأزمة السورية في آذار من العام 2011، حاول أكثر من طرف محلّي وإقليمي تحييد لبنان عن هذه الأزمة وعن مختلف الصراعات الإقليميّة. وصار مشهد تسلّل مجموعات صغيرة من المُسلحين وتهريب بعض الأسلحة من بعض المناطق البقاعية والشماليّة إلى الداخل السوري في مُقابل تدخّل “حزب الله” العسكري بشكل مُنظّم وواسع في الحرب السوريّة، طبيعيًّا، إلى درجة أنّ أمين عام “حزب الله” السيّد حسن نصر الله دعا في أحد خطاباته المُعترضين على دعمه النظام السوري إلى التقاتل في سوريا. لكنّ ما يحدث حاليًا من تصاعد للمُواجهة السعودية ضُد إيران، ومن ضغوط سُعوديّة مُتصاعدة على “حزب الله”، يُنذر بانهيار مُعادلة الحرب بالواسطة. فهل إتخذ فعلاً القرار بمُواجهة “حزب الله” في عقر داره، وما هي النتائج المُترتّبة على ذلك؟

من الواضح أنّ قرارًا إتخذ بعدم جواز إستمرار الأوضاع في لبنان على ما كانت عليه في السنوات الخمس الماضية بعدما تبيّن أنّ “حزب الله” كان خلالها المُستفيد الأكبر من تحييد لبنان عن المُواجهة الإقليميّة. وفي هذا السياق، يُمكن تسجيل ما يلي:

أوًلاً: نجح “حزب الله” تدريجًا في وضع يده على أغلبيّة المنطقة الحُدودية اللبنانيّة-السوريّة، باستثناء بعض الجيوب الصغيرة والمعزولة، لا سيّما في جرود عرسال ومحيطها، الأمر الذي إنعكس من الناحية العملانيّة قطعًا للإمدادات اللوجستيّة التي كانت تُرسل من لبنان إلى بعض الفصائل المُسلّحة التي تُقاتل النظام السوري.

ثانيًا: عرف “الحزب” أيضًا كيف يُبادل بعض التنازلات السياسيّة في الملفّ الحُكومي، وتحديدًا إزاء “تيّار المُستقبل”، بسياسة أمنيّة مُتشدّدة من جانب الأجهزة الأمنيّة الرسميّة في لبنان ضُدّ كل الجماعات التي عملت على إستهداف “حزب الله” في الداخل اللبناني، تارة عبر تفجيرات تستهدف مواكبه المُسلّحة التي تنتقل إلى سوريا، وطورًا عبر هجمات إرهابيّة في عمق بيئته الحاضنة. وطالت هذه السياسة الأمنيّة اللبنانية الرسميّة النازحين السوريّين، بحيث جرى ضرب ومحاصرة أيّ خلايا مُسلّحة يُمكن أن تتحرّك ضد “الحزب”.

ثالثًا: إستفاد “الحزب” من أجواء التهدئة الشعبيّة التي أرستها جلسات الحوار المُتعدّدة مع “تيّار المُستقبل”، بحيث منع تحويل النزاع إلى مذهبي بين الطائفتين السنّية والشيعيّة، من دون أن يُقدّم أيّ تنازل في أيّ من المواضيع الحسّاسة.

رابعًا: بعد أن إستفاد “الحزب” من وضع مريح في الداخل اللبناني، وسّع تدخّله في الصراعات الإقليميّة، فصار إسمه ومن خلفه إيران بطبيعة الحال، واردًا ليس فقط على مُستوى المعارك في سوريا، إنما على مُستوى التدريب والمُؤازرة في مناطق حامية أخرى إقليميًا، وفي طليعتها اليمن. وبموازاة ذلك، تولّى “الحزب” حملة سياسيّة-إعلاميّة ضُد السعوديّة، حيث صار يستهدفها دوريًّا بخطابات ومواقف قاسية، مُتوقّعًا سُقوط الطبقة الحاكمة فيها، ومُحاولاً تجاهل صراعها على النفوذ الإقليمي مع إيران، وتحميلها مسؤوليّة الإرهاب في الشرق الأوسط والعالم.

وأمام هذا الواقع، بدأنا في الأيّام والأسابيع القليلة الماضية، نشهد تحوّلاً في الموقف السعودي إزاء لبنان ككل، مُتزامنًا مع حملة إعلامية سعودية عنيفة ضد السكوت اللبناني العام إزاء تصرّفات “حزب الله”، وبالنسبة إلى هجومه المُتكرّر على السعوديّة. وفجأة تصاعدت المخاوف من إستقالة الحكومة أو من إنسحاب وزراء “تيّار المُستقبل” منها، وبدأ الحديث عن عدم جدوى متابعة الحوار بين “الحزب” و”المُستقبل”، وكثرة التقارير عن المخاطر المُترتبّة على إستمرار السياسة العدائيّة التي ينتهجها “حزب الله” إزاء السعوديّة في ظلّ التجاهل الرسمي اللبناني وحتى التماهي من قبل بعض الوزراء والمسؤولين، على الوضعين الإقتصادي والمالي الداخليّين، وعلى مصالح اللبنانيّين العاملين في السعودية والدول الخليجيّة كافة. وكل هذه التطوّرات ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة قرار سعودي خاص بلبنان، ويقضي بأنّه من غير المُمكن بعد اليوم التغاضي عن حملات “الحزب” وعن سياساته إزاء السعودية، وأنّ الأوان قد حان للمُطالبة بأن يرفض لبنان الرسمي والشعبي تورّط “حزب الله” في الحروب والصراعات خارج الحدود، لما لها من إنعاكاسات كارثيّة على مصالح الدولة اللبنانيّة وعلى علاقاتها مع الدول العربيّة-الخليجيّة وعلى مصالح فئات واسعة من اللبنانيّين، لا سيّما أولئك الذين يعملون في الدول الخليجيّة. ويُمكن إدارج الخطاب الناري الذي ألقاه رئيس “تيّار المُستقبل” النائب سعد الحريري في ذكرى “14 شباط”، والمواقف المُتشدّدة من قبل مسؤولي “المُستقبل” إزاء “حزب الله” في خانة القرار نفسه. والرسالة المُوجّهة إلى “الحزب” من قبل السعودية وحلفائها أنّ المملكة والمُعارضة السورية و”تيّار المُستقبل” لن يستسلموا ولن يكونوا في أيّ يوم من الأيّام في خانة الخاسرين، حيث إذا كان لا بُد من خسارة فهي ستشمل الجميع بدون إستثناء، وسيكون الضرر على الجميع. وبحسب المعلومات إنّ القرار اتخذ بمواجهة “حزب الله” في عقر داره من جديد، وذلك على المُستويين السياسي والإعلامي، والعمل على تشكيل قُوّة ضغط لبنانيّة واسعة ضُد الأضرار التي تسبّبها سياسة “الحزب” الخارجيّة، وتورّطه المُباشر في الصراعات الإقليميّة، وقيامه بلعب دور “رأس حربة” إيرانيّة ضدّ العديد من الدول العربيّة، وتقديمه المصلحة الإيرانيّة على حساب المصالح العربيّة، على أمل إنتزاع تسويات معيّنة، أو على الأقلّ عدم تقديم المزيد من التنازلات.

لكنّ الأجواء المُسرّبة من جانب “حزب الله” تُؤكّد عدم تراجعه أمام أيّ ضُغوط، الأمر الذي سيتسبّب حُكمًا بتصاعد الضغوط السعوديّة في الفترة المُقبلة، مع كل المخاطر والنتائج الكارثيّة لهذه المُواجهة المُتصاعدة بين طهران والرياض وحلفائهما المحليّين، على صعيد الإستقرار الداخلي اللبناني على مختلف المُستويات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى