سر الهدنة السورية… ماذا بعدها؟ ‎

لم تتردد دمشق في اعلان الالتزام سريعاً بالهدنة، رغم المآخذ التي كانت سجلتها الحكومة السورية سابقاً على الطلب الروسي لتنفيذ تعهد موسكو للأميركيين بوقف العمليات الحربية. الاعتراضات السورية نابعة من هواجس فرضتها التجارب الماضية، حيث كانت المجموعات المسلحة توظّف اي هدنة للتمدد نحو مساحات إضافية. في دمشق تمحورت المآخذ حول سؤال: لماذا نقبل بوقف النار الآن في عز تبدّل المعادلة الميدانية لصالح الجيش وانهيار معنويات المجموعات المسلحة؟ يشير السوريون هنا الى تقدّم الجيش وحلفائه من دون قتال في معظم المناطق شمال وجنوب سوريا.

الاعتراضات السورية استلزمت تواصلاً روسياً-إيرانيا “ على خطي الدفاع والخارجية في البلدين، أنتج توافقاً سريعاً حول طبيعة المرحلة المقبلة: لا تراجع عن ضرب الإرهابيين، أي تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” والمجموعات التي لا تلتزم بالهدنة، ما يعني ان كل مجموعة مسلحة توقف عملياتها الحربية وتلتزم بالهدنة ستكون محيّدة عن الاستهداف، شرط عدم تورطها بتمدد او تسليح او تعاون مع مجموعات أخرى. عملياً يعني ذلك شل تلك المجموعات بداية، تمهيداً لتسوية أوضاعها ضمن خطة الحل السياسي المطروحة روسياً واميركياً، وإنخراط عناصرها في الجيش السوريلاحقاً.

مخطط الهدنة تعرض للاستهداف من قبل مجموعات عدة، سيتم تصنيفها حكماً الى جانب “جبهة النصرة” وتنظيم “داعش”. هذا هو جوهر الاتفاق الروسي-الاميركي، القائم على تشريع ضرب كل فريق مسلح لا يلتزم بالقرارات والجهود الدولية.

في الساعات الماضية سُجل تقدم “داعش” الى خناصر في ريف حلب، وهي منطقة استراتيجية جداً، بإعتبارها تشكل الطريق الحيوي الوحيد الذي يصل حماه بحلب. يبدو الامر في ظاهره محاولة “داعشية” لإرباك الجيش السوري ووقف تقدمه في الأرياف، واجهاض حصاره للمسلحين في حلب، وإعادة بث المعنويات في صفوف المجموعات المنهارة. وفي جوهره سعي من “داعش” لتذويب المجموعات في صفوف التنظيم بعد تفكك معظمها، وهذا ما يحصل فعلاً بإحتوائه للهاربين وعائلاتهم من المناطق التي حررها الجيش السوري، والاهم إرسال رسالة مفادها ان تقدم “داعش” متواصل، بغض النظر عن القرارات الدولية والجهود لفرض الهدنة.

يخدم التقدم “الداعشي” الدولة السورية، من خلال التأكيد على أن الإرهابيين يتمددون على مساحة المناطق عندما تسمح لهم الظروف بذلك، ما يتطلب إبقاء العمليات العسكرية قائمة لضرب اي حركة مسلحة، ومهاجمة اماكن تواجد المجموعات بشكل دائم.

ستبقى خلال الهدنة المرتقبة الغارات الروسية والهجمات السورية البرية والجوية  ناشطة ضد المسلحين في اطار غرفة العمليات المشتركة. هذا ما تم الاتفاق عليه بعلم الأميركيين.

دمشق اكثر ارتياحاً. تشهد الآن زحمة زوار إقلييمين ودوليين، أمنيين وسياسيين، انطلاقاً من هواجس الأوروبيين حول النازحين. يحمل زوار دمشق معهم الى سوريا أسئلة عن النازحين، يستفسرون عن أسمائهم وانتماءاتهم وسجلاتهم العدليّة. لن تبقي تلك الدول الاوروبية أي نازح عندها كان مقاتلاً خطيراً، او ارتكب جرائم إرهابية. ستطرده او ربما يجري تسليمه لدمشق بحسب دوره الإرهابي.

الدول الأوروبية قلقة جداً. تخاف من تمدد “داعش” الى مساحاتها تحت عنوان النازحين. تريد الغربلة الآن قبل فوات الأوان. هذا ما تقوله في اجتماعات تتكثف لوضع سيناريوهات المعالجة.

تستغرب تلك الدول كيف أنّ لبنان يستطيع ضبط أمور النازحين امنياً وبكلفة مادية اقل مما تدفعه في دولها. كل من زار بيروت مستفسراً أشاد بالتجربة اللبنانية.

في بروكسل ردّ رئيس المجلس النيابي نبيه بري خلال محاضراته امام النواب الأوروبيين والبلجيكيين على أسئلة بالجملة حول النازحين. هو لمس وجود تساؤلات عن امكانية توطين النازحين السوريين. فجاء رده جازماً: لا توطين في لبنان حرصا على اللوحة اللبنانية المتوازنة.

فهل بدأت مرحلة البحث دولياً عن توطين “النازحين الصالحين” في اماكن تواجدهم؟ يبدو ذلك من خلال الغربلة الاوروبية، لكن ماذا عن النازحين المتواجدين في تركيا والدول العربية؟ هل أمر عودتهم يرتبط بالحلول السياسية في سوريا؟ متى؟

أسئلة عالقة بإنتظار معرفة مسار الهدنة اولاً، ومحطات الانتخابات والتعديلات الدستورية والإعمار. قد تحتاج لوقت أطول مما حدده القرار الدولي الأخير حول سوريا. رغم ان السوريين يربطون الحل بالقضاء على الارهاب. تقدم “داعش” الى خناصر يؤكد وجهة نظر دمشق، خصوصاً ان التنظيم يكبر بضم باقي المجموعات تدريجيا اليه، ليكون المشهد السوري موزعا بين جيش من جهة و”تنظيم” و”جبهة” من جهة اخرى. لا مكان لطرف اخر.

عباس ضاهر, النشرة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


Please Fill Out The TW Feeds Slider Configuration First
error: Content is protected !!