الصراع الدولي الخفي لإكتشاف لقاح لفيروس كورونا حقائق، إتهامات، و إشاعات (الجزء الثالث)

“الصعوبات والتحدّيات والمخاطر الهائلة التي تواجه تطوير هكذا لقاح”

قد يتساءل البعض لماذا هناك صعوبات كبيرة في تصنيع هذا اللقاح؟

وكما أشرنا في الجزء الأول من هذا البحث أن تطوير أي لقاح متين و ذو نوعية جيدة ،آمن وفعّال يأخذ في الظروف العادية عشرات السنوات. لكن الظروف التي فرضتها جائحه كورونا كانت إستثنائية في كل المجالات ودفعت العديد من مراكز الأبحاث 

وشركات تصنيع الأدوية وتسويقها وبدعم لا مثيل له من كل حكومات العالم للتسابق مع الوقت للحصول على هكذا لقاح. لأنه قد يكون الحلّ الوحيد للخروج من هذه الأزمه التي شلّت وعطّلت الحياة الطبيعية منذ اكثر من ٧ اشهر وفي معظم دول العالم. وذلك أيضاً لأن الإحتياطات الوقائية التي اصبح الجميع يعرفها ومن أهمها « التباعد الجسدي » أو « الإجتماعي » و تغير نمط العادات التي كانت سائدة في المجتمعات و التي كانت تتميّز سابقا” بكثرةالإختلاط  والتقارب البشري والإجتماعي وكل النصائح الإرشادية الأخرى كإرتداء الكمامات و إستعمال المطهرات و الغسل المتكرّر لليدين وما إلى ذلك من نصائح و إجراءات وقائيه والتي تدرّجت الى مرحلة عزل القرى والمدن و تسكيرها وإغلاق الحدود والمؤسسات ألتجاريه و ألتعليميه و ألرسميه وألرياضيه و غيرها، أظهرت فشلها النسبي في القضاء على هذا المرض. الذي عاد للإنتشار بشكل كبير في معظم دول العالم نتيجه “التراخي” و “الإستهتار” أحيانا” ونتيجه حاجة الدول إلى فتح حدودها والتخفيف من خسائرها الاقتصادية، لأن الاستمرار في الإغلاق لفترات طويلة كانت له عواقب إقتصادية و إجتماعية خطيرة جدا” على معظم الدول.

ومن أهم الصعوبات التي واجهت تطوير لقاح لهذا الفيروس هي :

١-طبيعه الفيروس بحدّ ذاته بحيث أن لهذا الفيروس بعض الخصائص المحيّرة التي جعلت العلماء يصطدمون بعوائق كبيره أمام تطوير لقاح له . ومع إنتشار هذا المرض تبيّن للباحثين 

والعلماء و الخبراء في هذا المجال أن هناك أربعة أنواع مختلفة من الفيروس إنتشرت و تسبّبت بشكلٍ كبير بهذا الهلع الذي أصاب العالم : إثنتان منهما تتسببّان بمشاكل تنفسية خفيفة 

او أنفلونزا أو حالة رشح غير خطيرة. 

ولكن الإثنتان الآخرتان تتسبّبان بإلتهابات رئوية خطيرة جداً قد تصل إلى درجة القصور الرئوي الحاد الذي قد يتسبّب بالوفاة.وقد وصف العلماء بأن فيروس SARS-COVID-2 الذي يتسبّب بالمرض الذي أُطلق عليه اسم COVID-19 هو من هذه الفصيلة الأخيرة العالية الخطورة. وقد صنّفوا ايضاً في هذه الفصيلة الخطيرة أن فيروس SARS-COVID-1 الذي ظهر في عام 2002 وفيروس MERS-Cov الذي ظهر في عام 2012. فهما من الفصيلة الخطيرة ذاتها التي انحدر منها الفيروس الجديد. ومن الخصائص الأساسية لهذا الفيروس الجديد أنه يصيب في البداية الغشاء المخاطي الذي يغطي الأنف و الحنجرة

والبلعوم . وقد تنجح أحياناً آليات المناعة الموجودة في الجسم من حصره و القضاء عليه في هذه المرحله وعند هذا الحدّ . ومن هنا إن أغلب المرضى الذين يتعرضون لهذا الفيروس يُعانون في أغلب الأحيان من رشحٍ خفيف أو من أعراضٍ أخرى خفيفة أو من عدم وجود أعراض بشكل كامل (Completly Asymptomatic ).لكن خطورة هذا الفيروس هي في إمكانية عبوره إلى الرئتين ومنها إلى كل الأعضاء التي تحتوي على لاقطات تسمح للفيروس بالإلتصاق بالخلايا وهي بروتينات موجودة بشكل كبير في خلايا الرئتين وتسمّى ACE وهي تلعب دور كبير في عمل الرئتين والقلب والكلى ومراقية الضغط الشرياني . هذا البروتين موجود ايضاً بكميّات متفاوتة في خلايا القلب و الكلى و الشرايين المنتشرة في كل أنحاء الجسم و كذلك خلايا الجهاز العصبي و الجهاز الهضمي ومن هنا تحصل إمكانية وصول الفيروس الى كل هذه الأعضاء وإحداثه اضرار كبيرة فيها. ولذلك فإن الصعوبه الأساسيه في إيجاد اللقاح المضاد لهذا الفيروس هي في تمكين جهاز المناعة من الحصول على “خط دفاع أول قوي و فعال ومتين جداً ” في حاجز الأنف 

والحنجرة والبلعوم. وهذا ما لم تقدر عليه حتى اليوم أكثر مراكز الأبحاث رغم النجاحات الكبيرة التي تكلّمنا عنها سابقاً التي في الجزء الأول من هذا البحث و التي سنتحدث عنها لاحقاً. وقد ذهب البعض بالقول لماذا لا ننتج لقاح يحمي فقط من المضاعفات الخطيرة لهذا الفيروس؟ أي لماذا لا نسعى لتطوير لقاح قادر على منع تكاثر 

وإنتشار الفيروس في الجسم بشكل خطير بعد دخوله إليه دون ألقضاء عليه كلياً. لكنّ هذا اللقاح قد يكون مفيد عند 8 مرضى من أصل 10 من المرضى الذين لا يتطور عندهم المرض بشكل كبير ولا يتسبب عندهم بإختلاطات خطيرة. و يجب في هذه الحاله قطعاً أن يكون اللقاح آمن جداً. و لكنه وبطبيعة الحال في هذه الحالة فإنّه لن يمنع من إمكانية العدوى لأنه لن يمنع تكاثر الفيروس في الأنف و الحنجرة و البلعوم و بالتالي لن يمنع نقل الفيروس إلى أشخاص آخرين قد يختلطون بالمريض.

٢-إختيار مكونات الفيروس التي يجب وضعها في اللقاح(Antigen): لحسن الحظ أنه و كما ذكرنا سابقاً يوجد في الجدار الخارجي او مايُسمّى بغلاف الفيروس التاجي (Coronavirus) نتؤات او تيجان صغيرة (Spike) وهي التي أعطت لهذا الفيروس إسمه أي الفايروس التاجي .وهذه البروتينات مُكوّنة من بروتيين يُدعى (بروتيين (S) . وهي المسؤولة عن دخول الفيروس إلى داخل الجسم و إلتصاقه بأللاقطات الموجوده على الخلايا والتي ذكرناها سابقاً .وهي التي تُحفّز خلايا المناعه في الجسم لإفراز “أجسام مضادة” من خلال ردّة فعل الكريات البيضاء في الجسم و خاصة (B Lymphocytes) القادرة على إفراز تلك “الأجسام المضادة” أوإفراز مواد قادرة على “تدمير الفيروس او تفكيكه أو قتله نهائياً” مثل المواد التي يفرزها النوع الآخر من Lymphocytes والذي يسمى (T -Lymphocytes) وهذا الأمر

ولحسن الحظ صحيح و موجود عند كل الفصائل المنحدرة من عائلة هذه الفيروسات . و لذلك فإن كل اللقاحات التي يسعى الخبراء لتطويرها ستستخدم هذه البروتينات( بروتيين (S) من أجل محاولة تطوير اللقاح المثالي.

٣-صعوبة إختيار آليات المناعة التي يجب تطويرها: أثبتت الدراسات التي أُجريت على الحيوان أنه بالإمكان تحفيز إفراز “أجسام مضادة” كابحةأو مانعة لتكاثر و تقدّم الفيروس . وإعتقد بعض الخبراء أن هذا الطريق هو الطريق الصحيح للوصول إلى اللقاح .لكنه سرعان ما تبيّن أن التجارب الحيوانية وبعض التجارب السريرية لم تُظهر صِحّة هذه النظرية مئة بالمئه وان هناك إفراز ات لكميات كبيرة من “الاجسام المضادة الغير كابحة او المانعة لتقدّم هذا الفيروس .

وهذه الأجسام المُضادة الغير كابحة للفيروس قد تكون خطيرة لأنها قد تزيد من الإختلاطات الجانبية للفيروس 

و قد تزيد من مخاطره . وكذلك إتّجه بعض الخُبراء إلى دراسة المواد التي تفرزها (T -Lymphocytes) والتي من شأنها كما ذكرنا مُهاجمة و تدمير وتحطيم مُكوّنات الفيروس بطُرق مُتعددة عن طريق إفراز انزيمات و مواد مُختلفه تهاجم الفيروس. لكن كل مشاريع اللقاحات التي يتمّ تطويرها حتى اليوم لم تجد وسيلة للوصول الى طريقة لتحفيز هذه الخلايا لإفراز هكذا مواد رغم أن هناك حوالي 139مشروع لقاح قيد التطوير كما ذكرنا سابقاً وبحيث أن العلماء إكتشفوا أن هذه الفرضية صعبة التطبيق .

٤-صعوبة تحفيز مناعة قوية عند الأشخاص الضعفاء أو المرضى الأكثر عُرضة لحالات خطيرة : تشير المعطيات العلمية المُتوفرة حتى اليوم إلى أن تحفيز المناعة عند الاشخاص الأصحّاء الذين لا يعانون من أية مشاكل صحيّة مُعيّنة يُعتبر إنجاز كبير بحد ذاته مع اللقاحات التي يتم تطويرها من أجل مكافحة فيروس كورونا .لكن الصعوبة الأكبر سوف تكون في تحفيز المناعة عند الأشخاص الأكثر عُرضةً لمخاطر هذا المرض مثل المرضى المُتقدّمين بالسنّ و المرضى المُصابين بالبدانة أو بالسُكّري أو بأمراض القلب و الكلى و الكبد و الرئتين أو بأنواع مختلفة من السرطانات. أوالذين يعانون أصلاً من نقص وراثي او مُكتسب في المناعة أو الذين يتناولون أدوية “كابحة” للمناعة .وهذا ما سيكون المُعضلة الأساسية في تطوير هذا اللقاح لأن هؤلاء المرضى هم الأكثر عُرضةً للإصابة بالإختلاطات الخطيرة لهذا المرض. وهم الذين يجب علينا أن نحميهم قبل كل شيء لأنّ كل الدراسات و المُعطيات العلمية التي نُشرت حتى اليوم أثبتت أنهم الأكثر عُرضةً للإصابة بالإختلاطات الجانبيةلفيروس كورونا وللتعرّض لإلتهابات رئوية و قلبية او لفشل شامل في كل أعضاء الجسم قد يؤدي عندهم للوفاة.

٥-مخاطر تطوير لقاح قد يزيد من خطورة مرض COVID-19 بما أن الفيروس التاجي هو فيروس جديد 

وغير معروف بشكلٍ جيد حتى تاريخ اليوم، وبما أن بعض الخبراء و الأطباء لاحظوا أنه يجب عليهم في بعض الحالات الحرجة و الخطيرة عند بعض المرضى إستعمال أدوية كابحة لجهاز المناعه لأنهم لاحظوا أن الفيروس يتسبب ببعض الموجات أو العواصف المناعية التي أطلق عليها الأطباء المواجة او العاصفه السيتوكونية (Cytokine Tornado) وهيي التي تتسبّب بحدوث أضرار فادحة بمختلف أعضاء الجسم قد تصل الى الوفاة خاصةً عند الشباب و الفئات العمرية الصغيرة لأن ردّة الفعل المناعيّة المُتدحرجة والعنيفة قد تقود الى حصول أضرار جانبيّة خطيرة في مختلف اعضاء الجسم خاصة في الرئتين والقلب والكلى والكبد وكل شرايين الجسم. ولذلك فهناك مخاوف عند العلماء بأن يتسبّب اللقاح بإثارة إنتاج “أجسام مضادة ضد الفيروس” لا تكون كابحة له لأنها لاتلتصق في الأماكن التي تمنع تكاثره وتقدّمه في داخل الجسم. بل على العكس قد يكون لها دور كبير في تحفيزه وفي جعله أكثر ضرراً و خبثاً ممّا قد يفاقم المرض بشكلٍ كبير .هذه الظاهرة تكلّم عنها العلماء خلال تطويرهم للقاح فيروس ضد فيروس SARS-COVID-1 وفيروس SARS-COVID-1 وفيروس MERS-Cov عند ظهورهما في السابق. ويخشى الأطباء بأن تحدث هكذا ظاهرة مع اللقاحات التي يطوّرونها لعلاج فيروس كورونا .ومما يزيد من تعقيد الأمور ومن الخشية من هذه الظاهرة أن التجارب الحيوانية لا تسمح بالتحقق من هذه المخاطر بشكلٍ واضح لأن التحقّق منها يتطّلب أبحاث مُعقّدة وعميقة جداً وقد تأخذ الكثير من الوقت. وذلك أيضاً لأن الأبحاث السريرية التي تجرى على متطوّعين يجب عليها أن تنتظر أسابيع أو أشهر لكي تظهر آثار المناعة ضد الفيروس عندهم بعد ان يكونوا قد تلقّوا هذا اللقاح ويجب الإنتظار لفترات طويلة لمتابعتهم وكشف رّدة فعل أجسامهم على معاودة التعرض للفيروس التاجي أو تعريضهم له بشكلٍ تجريبي له عبر حقنه عندهم لكشف ردّة فعل أجسامهم على هكذا تعريض لكن هذا الشيء قد يأخذ الكثير من الوقت وقد يحتاج للكثير من التجارب الخطيرة. وهذا كله غير ممكن حالياً بسبب عدم وجود علاج فّعال لهذا المرض مما قد يُعرّض حياة هؤلاء المتطوعين للخطر و لذلك فإن هذه التجارب غير مُمكنة وغير منطقية وغير إنسانية في الوقت الحالي خاصة واننا في سباق خطير مع الوقت لتطوير اللقاح.

٦- الحاجة لإنتاج كميّات كبيرة جداً من هذا اللقاح بشكل سريع و بأسعار مقبولة لتسويقه في كل أنحاء العالم : لقد تسابقت مختلف مراكز الأبحاث و الشركات المُصنّعة للأدوية في معظم الدول المُتقدّمة لوضع “شبكات من تصنيع” او “سلاسل إنتاج” متطوّرة جداً (Production Chaine) قادرة على تصنيع كميّات كبيرة تصل إلى مئات الملايين من هذا اللقاح بشكل سريع عند ثبوت فعاليته. لكن المشكلة ستكون في كيفية توزيع هذا اللقاح في الدول الفقيرة وذات الإمكانيات الإقتصادية المعدومة وهي دول ضربها المرض ايضاً بشكلٍ كبير ولو كانت الدول المتقدّمة قد تآثّرت اكثر بهذه الأزمة. وهذا ما يحتاج إلى تعاون كبير على المستوى الدولي من أجل تأمين اللقاح “بسعر مقبول” في مختلف دول العالم وخاصة أن الأعداد المطلوب تلقيحها قد تصل إلى مليارات من البشر . وهذا ما يطرح تساؤلات كثيرة حول كيفية حلّ هذه المعضلة إذ أن الدول الغنية قادرة على التصنيع السريع و بكميات كبيرة لهذا اللقاح، لكن الدول الفقيرة أو المتوسطة الإمكانيات الإقتصادية ستكون غير قادرة على ذلك. ومن هنا يجب التفكير منذ اليوم بإمكانيات و طرق حلول هذه المعضلة الدولية وإيجاد حلول سريعة لها لكي لا يقتصر شراء اللقاح والحصول عليه حِكراً على الدول الغنية والمُتقدّمة فقط لأن سعره لن يكون زهيد او قليل، خاصة اذا ما عرفنا درجة المنافسة العالمية المحتدمة في هذا المجال والأموال الطائلة التي دعمت بها كل تلك الدول مراكز الأبحاث والفرق الطبية العاملة في هذا المجال والتي تشارك فيها معظم او اهم مراكز الأبحاث في العالم، وتوقّعات البعض ان بعض الشركات او الدول قد تلجئ لإستغلال هذه الأزمة الصحيّة العالمية لجني ارباح خيالية اذا ما لم يتمّ وضع آليات ومقترحات وبروتوكولات تعاون دولي تشارك فيه كل مؤسسات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية خاصة لضمان حصول الدول الفقيرة على هذه اللقاحات.

د. طلال حمود- طبيب قلب وشرايين لبناني-فرنسي- ناشط في مجال مُكافحة فيروس كورونا – مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
Please Fill Out The TW Feeds Slider Configuration First
error: Content is protected !!