نختلف على منطق الوطن ولن يبقى وطن!!

نختلف على منطق الوطن ولن يبقى وطن!! | د. وسام صعب 

لم يكن أساس المشكلة بتداعياتها وتراكماتها متوقفاً فقط على التأخير الذي نشهده في تشكيل الحكومة الذي إستغرق العمل على تأليفها ما يقارب الثمانية أشهر ولا تزال أجواء تشكيلها سلبية حتى الساعة كإنعكاس للوضع الإقليمي عامة، ذلك أن لبنان أصبح بطبيعته متعايشاً مع منطق الأزمات المتكرر بحيث أنه إكتسب مناعة كبيرة إزاء فيروس الفوضى وعدم إنتظام الحياة السياسية فيه، ذلك أن الأمور في لبنان باتت محكومة بمنطق التسويات والمحاصصة وليس بالمنطق الدستوري المتعارف عليه في البلدان الديمقراطية، وهذا ما يجعل المشكلة في لبنان تتخطى بكثير مسألة التشكيل والتأليف لتصبح بجوهرها مشكلة نظام متعثّر لم يُكتب له النجاح منذ الإستقلال ولتاريخه، وهذا ما قاد بدوره إلى مشكلة بنيوية أصابت لسوء الحظ هيكلية الإقتصاد اللبناني لتصبح المسألة بكليتها أعمق بكثير من أزمة تشكيل الحكومة التي أضحت نتيجة طبيعية لتعثّر هذا النظام وتعليق أحكامه الدستورية.

ومن هذا المنطلق، يبدو واضحاً اليوم أن إدارة الملف اللبناني المتشعب أصبح بمثابة إدارة للأزمة ليس إلا، باعتبار أن الوضع عامةً بات لا يختلف كثيراً عن حالة العقم التي أصابت نظامنا السياسي اللبناني، وإلى ما هنالك من حالة إرتباك واضحة قد أصابت الطبقة السياسية بأكملها بالنظر لما يختزنه هذا الملف من عوامل إنهيار للوضع عامة، في ظل التعثر الواضح في الحياة السياسية اللبنانية وغياب أية أسس دستورية تحكم ذلك.

وعلى هذا، فالمسؤولية أصبحت تقضي بأن لا تترك الأمور متفلتة تتحكم فيها لعبة المجازفات، ذلك أن لبنان لم يعد يحتمل أي مغامرة بالنظر لواقعه الهش الذي أصبح مهدداً بالإنهيار في أي لحظة. فلبنان لم يعد يحتمل أي كباش أو عناد أو مكابرة في ظل أوضاعنا المتردية، بحيث باتت مسألة إخلاء سبيل الحكومة من مكان إحتجازها مسؤولية وطنية كبرى أمام ما يحكم هذه المرحلة من دقة بالغة الخطورة والتعقيد.

لا شك أننا بتنا اليوم في وادٍ والعالم بات من حولنا في وادٍ آخر، فلبنان المتعثر حكومياً وسياسياً وإقتصادياً أصبح خارج الخدمة في ظل التحولات الكبيرة التي طرأت في المنطقة. فماذا يملك لبنان من أدوات ووسائل لمواكبة هذه التحولات؟ حتى القمة الإقتصادية المزمع إنعقادها في 19 و20 الجاري باتت موضوع خلاف وأصبحت وجهة نظر، وهذا ما يجعلنا نقف مذهولين أمام كل ما يحصل إزاء واقع خطير أصبح مهدد بالإنهيار في أي لحظة.

فهذا المشهد المتناقض في حيثياته يضعنا أمام فرضية هي حتماً قاتمة، ما يعني أن الأزمة قد تطول وقد تكون إنعكاساً للوضع الإقليمي عامة وهي بذلك قد تكون مرشّحة إلى مزيد من التصعيد وبالتالي مفتوحة على كل الإحتمالات.

 

ومن هذا المنطلق، فقد أصبح واجباً مقاربة الأمور من زاوية أخرى ومختلفة وذلك بالسؤال عن مدى الجدوى من حكومة سياسية فضفاضة تحت مسمى حكومة وحدة وطنية ولماذا الإصرار عليها؟ وما الغاية منها في ظل هذا التجاذب والصراع الحاصل بين الأفرقاء في ظل الأوضاع المتأزمة على المستويات كافة وبالأخص الإقتصادي والمالي منها بعد أن دلّت التجربة على أن حكومات من هذا النوع قد تكون عاجزة عن معالجة الأزمات المستجدة، فحكومة سياسية موسعة تحت أي مسمى وإن تشكلت اليوم أو غداً فمن الذي يضمن فعاليتها وإنتاجيتها وتجانسها وعدم وجود مناكفات سياسية بين أعضائها، ومن الذي يضمن أيضاً أن تكون موحدة في رؤيتها وتوجهاتها السياسية خصوصاً على المستويين الإقتصادي والمالي تحديداً! لاسيما وأن لا وقت للمراهنات أو الإختبارات على هذا الصعيد … وهل حكومة من هذا النوع تخدم أصلاً واقعنا المأزوم؟

 

لقد دلت التجارب السياسية على أنه في أوقات الأزمات وعندما تحط رحالها، قد يكون من الأجدى إعتماد صيغة حكومات مصغرة من نوع التكنوقراط تضم في تشكيلتها إختصاصيين وبعض النخب السياسية لإدارة شؤون البلاد وذلك بعيداً عن المنطق العددي أو تناسب الأحجام والحصص والتوازنات، وهذا ما سيشكل بدوره حجر الزاوية للبدء جدياً بعملية الإصلاح والتغيير على مستوى ذهنية العمل السياسي اللبناني لإبعاده تدريجياً عن منطق المحاصصة والتسويات التي تتحكم بتفاصيل السياسة اللبنانية، وسيضمن بالوقت نفسه حكومة إنقاذية، ما سيشكّل معه تحولاً متطوراً نحو حكومة تكنوسياسية تضم أشخاصاً مثقفين وهذا ما يعرف بالساسة الإختصاصيين الذين يتمتعون بفهم بديهي لكيفية صياغة التقدم في هذه البيئة، والتي ستكون بطبيعة الحال أي حكومة من هذا النوع أكثر فعالية وكفاءة لمواجهة الأزمات المالية والإقتصادية وستشكل إستقراراً سياسياً وإقتصادياً ومالياً في البلاد، لأن المرحلة الراهنة تستدعي بل توجب حكومة من هذا النوع لإعتبارات عملية كثيرة تجنباً للوقوع في الكارثة حيث عندها لن يعد يجدي الدواء.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
Please Fill Out The TW Feeds Slider Configuration First
error: Content is protected !!