بين بلدة مغدوشة والزهر حكاية عشق وعطاء

ثريا حسن زعيتر - جنوبيات

بين الربيع و”عاصمة الذهب الأبيض”، بلدة مغدوشة في جنوب لبنان، حكايات حب، وفصول لا تنتهي على مدى السنين، تتجدّد في كل عام مع إطلالة فصل الربيع، حيث تفوح رائحة زهر الليمون، وتتعطّر البلدة و”سيدة المنطرة” برائحة الزهر، وتستقبل بها الزائرين، قبل أنْ تطأ أقدامهم أرضها…

ما زالت بلدة مغدوشة، من المناطق القليلة في الجنوب اللبناني، التي تحافظ على مهنة تقطير الزهر، وهي التي اشتهرت بزراعة شجر الـ “بوصفير” لتشغل مساحات واسعة من أراضيها، ثم تبدأ عملية قطاف الزهر الموسمي، الذي يبلغ خط نهايته بالتقطير، حيث يتم إنتاج ماء الزهر ومشتقاته، فذاعت شهرة البلدة داخل لبنان وخارجه…

تعتبر مهنة ماء الزهر موسمية، حيث ينتظره محترفوه من عام إلى آخر بفارغ الصبر، ليس مصدراً للرزق لهم، إنّما للتمتّع برائحة الزهر النقي، والارتياح الجسدي والنفسي من ضغوط الحياة، ولا يكاد يخلو بيت لبناني من قنينة واحدة أقلّها من زهر الليمون ومشتقاته…

“لــواء صيدا والجنوب” حطَّ رحاله في بساتين الزهر في بلدة مغدوشة، واطّلع من الأهالي على مراحل القطاف وتقطير الزهر، وصولاً إلى الإنتاج المميّز…

مصدر رزق

تبدأ رحلة قطاف زهر الليمون البري الـ “بوصفير” وحبّاته البيضاء في بلدة مغدوشة، حيث تفوح رائحته العطرة إلى مسافات بعيدة، وتتحوّل البساتين إلى خلية نحل، حيث يعمل المحترفون في قطاف الزهر دون كلل أو ملل.

* وقفت “أم جوزيف” في بستان تكسوه الزهور وقالت بشغف: “لديّ أرض مزروعة كلها تقريباً شجر “بوصفير”، وأقوم بقطافها كل عام مع العائلة، وقرّرت افتتاح محل صغير لبيع “ماء الزهر”، لأنّ هذه المهنة سهلة جداً، ولا تحتاج إلا إلى خبرة ونظافة”.

وأضافت: “منذ طفولتي وأنا أقطف الزهر، وأتذكر عندما كان والداي يصطحبانني عند بدء فصل الربيع، ومع الأيام عشقتها، وأصبحت رائحة الزهر بدمي، فبتُّ أصنع كل ما يتعلق بالمنتوجات “البيتية” مثل: شراب الورد، بوصفير، التوت، النعنع، دبس الرمان، خل التفاح، خل العنب، مربيات التين، سفرجل، اللقطين، المكدوس، الكبيس، الصابون البلدي وزيت الزيتون، ولكن يبقى ماء الزهر الأفضل”.

وتابعت، وهي تفرد الزهر لتعبق رائحته أكثر: “بلدة مغدوشة اشتهرت بصناعته، وكل كلغ واحد من زهر الـ “بوصفير” يقطّر قارورة واحدة من “ماء الزهر”، ثم تعبأ القطرات في قناني متوسّطة، ويُحكَم إغلاقها منعاً لتسرّب الرائحة، ثم تعرض للبيع بمبلغ 15 ألف ليرة لبنانية”.

عشق… وراحة

* وبين الابتسامة والفرحة تمسك “أم إيلي” غانم بيدها غصن الشجرة، وهي تقطف الزهر، وقالت: “ورثت هذه الأرض عن أهلي وأجدادي، وهي تقريباً من أكبر الأراضي الموجودة في البلدة، وبعض الأشجار فيها يزيد عمرها عن 155 عاماً، فبتُّ أخاف على الشجرة كأنّني أخاف على أولادي، ولذلك لا أفرّط بهذه الأشجار أبداً، لأنّها كل شيء بالنسبة لي، فأنا أحس براحة جسدية ونفسية تحت الشجرة عندما أتنشق رائحة أزهارها الزكية، فكل الحكايات والذكريات هنا تحت الأشجار، وخاصة في موسم قطاف الزهر”.

وأضافت: “تتحوّل الحقول إلى عيد في بداية فصل الربيع، حيث تسمع الأغاني من هنا، وضحكة من هناك ورقصة من الشباب، والكل يحضر معه زوادة الطعام، حيث نبدأ العمل منذ الصباح الباكر حتى المغيب، وعندما ننتهي من القطاف، نقوم بفرز الزهر وأخذه إلى التعاونية للتقطير”.

الفرّاطة بدل العامل

* بينما كان أسامة عمون يقف على السلم وهو يقطف الزهر، قال: “إنّ مهنة قطاف الزهر موسمية ينتظره محترفوها من عام إلى آخر، فالزهر يشكّل مصدر رزق للأهالي، وتبدأ عملية قطف الزهر من كانون الثاني حتى نيسان من كل عام، وغالباً ما يتحكم عامل الطقس في عملنا، فنتأخّر عن القطاف 15 يوماً أو نزيد 15 يوماً إضافيين بالقطف، ولكن بالإجمال كان الموسم هذا العام جيد وقمنا بعملنا على أكمل وجه”.

وأضاف: “يُباع سعر كلغ الزهر بـ 6500 ليرة لبنانية، وهذا ما أبقت عليه التعاونية، أما قنينة ماء الزهر فهي تباع بمبلغ 15 ألف ليرة، وتكون ذات جودة عالية وممتازة، أما بسعر الجملة فهي تباع بمبلغ 10 آلاف ليرة، وهناك من يبيع بسعر أقل أو بزيادة بسيطة حسب إنتاجهم للزهر”.

وأوضح أنّ “العمّال يقومون أولاً يقطف الأزهار المتفتحة في بداية الربيع، وبعد أيام عدة يعودون إلى قطف الباقي، حيث يقوم العامل بقطف ما لا يقل عن 10 كلغ من الزهر يومياً لتأمين ضمان ربحه من العمل وحق العامل”.

وتابع: “أما بالنسبة لليد العاملة، فهي ليست كباقي الأعوام، خاصة أنه في هذا العام تمَّ إدخال ماكينة الفراطة الأوتوماتيكية، ويتراوح سعرها بين 600 و1200 دولار أميركي، وهي مثل ماكينة قطاف الزيتون، وهي تعمل بدلاً عن 10 عمال، وهذا أقل كلفة للمزارع وأكثر ربحاً له، أما التعاونية فقد وجدت في المنطقة من أجل الحفاظ على ثبات سعر الزهر بقيمة 6500 ليرة، وأيضاً ضمان للمواطن بنوعية الزهر، لأنّ زهر مغدوشة يختلف عن غيره من الزهر، حيث لا يروى بالصيف، والتعاونية لديها قدرة على إنتاج حوالى 1600 كلغ في اليوم من ماء الزهر، وهذا يعود إلى وكالة التنمية الأميركية، الذي جهّزت لهم مصنعاً قادراً على إستيعاب 800 كلغ إضافي من الزهر غير ما يوجد لديهم، حيث يصبح الإجمالي 1600 كلغ”.

عملية التقطير

* بينما كانت “أم حبيب” مشغولة بتقطير الزهر قالت: “منذ طفولتي وأنا أذهب مع أهلي إلى الأرض وأقطف الزهر، ثم تعلّمت كيفية التقطير، فبساتين بلدة مغدوشة تكون خلية نحل في البساتين، أنها لحظات جميلة حيث تكون العائلة مجتمعة”.

وأضافت، وهي تضع الحطب تحت الكركة: “ما زلت أشعل الحطب ولكن هناك سيدات يعمدن إلى وضعها على الغاز، فإنّ مرحلة التقطير، على “الكركة” الصغيرة التي تتسع بين 5-8 كلغ من الزهر، يُوضع الزهر داخل “الكركة” ويُغمر بالماء، ثم يغلق عليه بالقسم العلوي من “الكركة” الذي توضع فيه المياه الباردة، ويجري “تطيين” الوصلة بواسطة الرماد أو الطحين المجبول بالماء، منعاً للتبخّر باتجاه الخارج، ويُمكن تقوية النار في بداية النزل”.

وتابعت: “عندما تبدأ قطرات الماء بالخروج من أنبوب متصل بـ “الكركة”، فمعنى ذلك أن الزهر بدأ يتحوّل إلى بخار، فماء، عندها ينبغي تخفيف النار إلى أقصى حدٍ، بحيث تنزل القطرات قطرة قطرة، على أنّ المطلوب الانتباه بشكل دائم إلى تغيير الماء في القسم العلوي كلما فَتَر، واستبداله بماء البارد لأنّه يلعب الدور الأساسي في تحويل البخار الداخلي إلى ماء الزهر، وتتطلّب عملية التقطير حوالى 6 ساعات، بين الغلي إلى البخار، ولا فرق في حجم “الكركة” أكانت كبيرة أم صغيرة”.

شراب البوصفير

حبات اللولو

أسامة عمون

بساتين مغدوشة تتحوّل إلى خلية نحل

 

الذهب الأبيض

مربى البوصفير

ماء الزهر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


Please Fill Out The TW Feeds Slider Configuration First
error: Content is protected !!