خاص شبكة الزهراني الاخبارية |دراسة دستورية حول المادة /75/ من الدستوراللبناني بقلم المحامي د. وسام صعب.

حول المادة /75/ من الدستور وصلاحية المجلس النيابي واعتباره هيئة انتخابية.

دراسة دستورية بقلم المحامي د. وسام صعب.

حظرت المادة /75/ من الدستور على المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية القيام بأي عمل آخر بقولها: “إن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة إشتراعية ويترتب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أو أي عمل آخر.”

ولقد دار جدال فقهي ودستوري في الآونة الأخيرة حول صلاحية المجلس النيابي خلال المهلة الزمنية المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية، وهل يفقد المجلس خلالها صلاحياته الدستورية ويتحول إلى هيئة إنتخابية بحيث تنحصر مهامه بانتخاب رئيس للجمهورية، أم أنه يستمر في ممارسة صلاحياته؟

للإجابة على ما تقدم يقتضي بنا الإنطلاق من التفسير الموضوعي لنص المادة /75/ من الدستور،

ولتفسير نص المادة /75/ من الدستور تفسيراً موضوعياً يقتضي اعتماد قواعد علمية أصبحت شائعة اليوم في القانون العام ومنه القانون الدستوري. بحيث كانت الطريقة القديمة تستند في تفسير القوانين على ما يحتويه النص من العناصر اللغوية والقانونية، إذ أن المفسرين كانوا يجهدون لاستخراج ما أمكن استخراجه من النص المعروض على تفسيرهم بالإستعانة بمحتويات هذا النص وحدها. وإذا أشكل عليهم فهمه وتعذر تطبيقه، لجأوا عندئذٍ إلى الأعمال التحضيرية أو التمهيدية لهذا القانون، من تقارير موضوعة قبل صدوره ولأجل إصداره، ومناقشات برلمانية أو غير برلمانية قد تقدمته، وذلك توصلاً لمعرفة قصد المشرع عندما اعتزم وضع هذا القانون وغاية كل حكم من أحكامه.

ولكن كان لابد لهذه الطريقة الشكلية الضيقة من أن تؤدي إما إلى الإشكال في معرفة تلك المقاصد، لأن المشترع لم يلحظها، وإما إلى الإعسار في تكييفها، وبالتالي في تطبيق القانون الذي ينطوي عليها لأن الزمن قد تطور، وان حالاً جديداً قد ظهر، وعندئذٍ كان يبدو القانون غير متوافق مع معطيات الزمن وغير متجاوب مع حاجات المجتمع.

ولذلك فقد تحول رجال القانون والفقهاء منذ أوائل هذا القرن، إلى طريقة علمية كانت أنجح وأخصب من الأولى، تتلخص في اعتبار القانون مؤسسة إجتماعية Institution، أضحت مستقلة عن أصولها التاريخية ولاسيما عن الأسباب التي دعت الشارع إلى وضعها، وهي تحيا حياتها الذاتية، فتقوم بوظيفتها الإجتماعية الجوهرية في المجتمع الذي يحيط بها، فتلبي حاجاته، وتقدم له ما تتطلبه مشكلاته من حلول ملائمة.

وقد انطلق هؤلاء الفقهاء من قاعدة علمية مفادها أن غاية القانون إنما هي خدمة المجتمع وتذليل متناقضاته، وبالتالي فإن الطريقة الواجب اتباعها لإدراك هذه الغاية، لا تكون في التعلق، تعلقاً شكلياً بعيداً عن الوقائع الإجتماعية، بأسباب القانون الأولى، التي دفعت إلى إصداره، وإنما باستنباط تفسير له، يتوخى المجتهد في اعتماده، إحقاق الحق وتحكيم العدل والوجدان في إطار المصلحة العامة العليا.

وإذا كان قد اعتبر البعض في هذا الإطار أن المجلس خلال المدة المحددة لانتخاب الرئيس هو هيئة إنتخابية وبالتالي لا يحق له ممارسة بقية وظائفه وذلك بهدف التعجيل في انتخاب الرئيس، إلا أن الرأي العلمي الأصح، والذي استقر عليه التعامل (المستند إلى انتخاب رئيس مجلس النواب وإقرار وثيقة الوفاق الوطني في القليعات في 5/11/1989 قبل انتخاب رئيس الجمهورية الراحل رينيه معوض في اليوم نفسه) هو التفسير المحدد لكلمة التئام، والتي تعني الإجتماع المخصص لانتخاب رئيس الجمهورية، ولكن هذا لا يعني أن ننسف وظيفة المجلس لاسيما مهامه التشريعية في الحالات التي يقتضي بها تشريع الضٍرورة أو إذا اقتضت مصالح الدولة العليا ذلك، ومن هنا فإن تفسير كلمة التئام بمعنى الدورة الإستثنائية المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية هو تجاوز للنص الدستوري، كما أنه يؤدي في حال تعذر انتخاب الرئيس (كما هو حاصل اليوم) إلى تعطيل دور المجلس التشريعي مع ما قد ينتج عن ذلك من نتائج سلبية على الصعيد الدستوري وعمل المؤسسات الدستورية ومبدأ دوامها واستمرارها.

وبالتالي فلا يمكن الإدعاء بأن في التفسير الواسع لكلمة التئام حث المجلس على إعطاء الأولوية لانتخاب الرئيس على ما عدا ذلك من أعمال، فإذا كانت الظروف الإستثنائية أو كما هو حاصل اليوم من انقسام سياسي يحول دون انتخاب رئيس الجمهورية، وإذا كانت المادة /62/ قد لحظت حالة شغور الرئاسة، فهل يعقل أن يتوقف المجلس النيابي عن ممارسة مهامه وصلاحياته الدستورية والتشريعية بما يؤدي إلى نسف وخرق مبدأ تأمين استمرارية دوام وعمل المؤسسات الدستورية بما يعرّض مصالح الدولة العليا للخطر.

ومن هنا فلا يجوز مطلقاً التعلق تعلقاً شكلياً بنص المادة /75/ من الدستور لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى نسف عمل ووظيفة المجلس النيابي الأساسية كمؤسسة دستورية تشريعية إنما يقتضي في ظل ما هو قائم اليوم إعتماد مبادئ علمية حديثة في الإستنباط والتفسير مفادها أن غاية القانون إنما هي خدمة المجتمع وتذليل متناقضاته، وبالتالي فإن الطريقة الواجب إتباعها لإدراك هذه الغاية لا تكون إلا في إطار حفظ كيان الدولة ومؤسساتها بما يضمن تأمين المصالح العامة العليا.

المحامي د. وسام صعب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


Please Fill Out The TW Feeds Slider Configuration First
error: Content is protected !!