الراعي في رسالة الفصح: لبنان بحاجة إلى قيامة قلوب أبنائه

وجه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، رسالة الفصح إلى اللبنانيين بعامة والمسيحيين بخاصة مقيمين ومنتشرين، تحت عنوان “شهود القيامة”، في حضور المطارنة، الرؤساء العامين والرئيسات العامات.

وجاء فيها: “المسيح قام، حقا قام، قيامة المسيح هي جوهر إيمان المسيحيين، كما أعلن القديس أغسطينوس الذي اختبر مفاعيلها في ارتداده إلى الإيمان المسيحي، بعد غربة طويلة عن الله، أضاع فيها زهرة شبابه… فالمسيح مات ليفتدينا من خطايانا، وقام ليبررنا بقيامة قلوبنا”.

وأضاف: “يسعدني، بيقين هذا الإيمان، أن أقدم أطيب التهاني مع أخلص التمنيات بعيد قيامة المسيح وقيامة قلوبنا، لإخواني السادة المطارنة، أعضاء سينودس كنيستنا المقدس، وقدس الرؤساء العامين والرئيسات العامات وجميع الكهنة والرهبان والراهبات وأبناء كنيستنا وبناتها في لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار. نرجو لهم ولنا جميعا ثمار هذا الحدث الخلاصي، وفرح العبور، مع فصح المسيح، إلى حياة جديدة بقيامة القلوب، نشهد بها لقيامة المسيح وفعلها في تاريخ البشر. إذا نعمنا نحن، رعاة الكنيسة وكهنتها ورهبانها وراهباتها بقيامة قلوبنا، استطعنا أن نقود شعبنا إليها عبر خدمتنا الراعوية ومؤسساتنا. فحيث يصل الرأس يصل الجسم كله”.

وتابع الراعي: “انها مأساة إخفاء الحقيقة بالرشوة. فالحاقدون على يسوع والحساد بسبب كلمة الحق التي قالها، وجسدها بالأفعال والآيات، ودافع عنها بجرأة ووداعة، فأحبه الشعب وسار وراءه، أرشوا مرة أولى يهوذا الإسخريوطي بالمال ليسلم إليهم يسوع، ومرة ثانية الحرس ليكذبوا ويخفوا حقيقة القيامة التي سطعت كالشمس وخذلتهم. فكم أن حبل الكذب قصير بحسب القول المأثور، ألم ير هؤلاء الحرس الكفن الذي تركه الرب في القبر علامة لقيامته؟ وكيف رأوا تلاميذ يسوع يدحرجون الحجر الكبير ويسرقون جثمانه، وهم يسترسلون في النوم. الرشوة بالمال أو بالوظيفة أو بالوعود إنما تعمي القلوب. مأساة إخفاء الحقيقة بالرشوة تتواصل ويا للأسف، كل يوم، ويذهب ضحيتها مواطنون أبرياء بل وأوطان وكرامات ومؤسسات كما هو حاصل عندنا. نحن المؤمنون بقيامة المسيح، أصبحنا أبناء وبنات نور القيامة، نور الحقيقة التي أعلنها المسيح، وهي حقيقة الله والإنسان والتاريخ. وما أحوج العالم إليها، لكي ينعم بالوحدة الثابتة والحرية الحقة”.

وأردف: “يحتاج عالم اليوم إلى شهود قيامة وسط الجماعة السياسية وحكام الدول. شهود يختبرون قيامة القلوب بمشاعر الإنسانية والعدالة والسلام. فالقوى السياسية الإقليمية والدولية تفرض الحروب المدمرة للحجر والبشر في بلدان الشرق الأوسط وبخاصة في فلسطين والعراق وسوريا وسواها، وتوقد نارها وتمولها وتمدها بالسلاح وترسل إليها الإرهابيين والمرتزقة وتغطيها سياسيا، من أجل مآرب سياسية، ومصالح اقتصادية، وأهداف استراتيجية. هؤلاء هم أشخاص ماتت المشاعر الإنسانية في قلوبهم، بل قلوبهم ماتت. إننا نصلي من أجل أن تمسها نعمة القيامة المنتصرة على الموت”.

وقال: “للكتل السياسية والنيابية في لبنان التي ترمي سدة رئاسة الجمهورية في الفراغ منذ سنة وعشرة أشهر، وتحجم عن واجبها الدستوري بانتخاب رئيس للبلاد منذ سنتين كاملتين من دون مبرر، وتتسبب بشل المجلس النيابي وتعثر عمل الحكومة وتفشي الفساد، نرجو أيضا قيامة القلوب، رحمة بلبنان وشعبه ومؤسساته. ونرجوها لكي يصبح الخطاب السياسي والديني والاجتماعي خطاب سلام وتلاق واحترام. نرجوه خطابا حياتيا قائما على التعاون والمشاركة المتوازنة في الحكم والإدارة، المرتكزة على التعددية، البعيدة عن الروح المذهبية والفئوية”.

وختم الراعي: “لبنان بحاجة إلى قيامة قلوب أبنائه لكي نحافظ عليه كما يراه المجتمع: لبنان الرسالة… يستطيع لبنان أن يحافظ على هويته هذه بمقدار ما تتربى أجياله عليها، وبمقدار ما يتحصن نظامه السياسي بالحياد الملتزم بقضايا العدالة والسلام والنمو في محيطه، والبعيد عن الانخراط في المحاور الإقليمية والدولية، ما يجعله واحة تلاق وحوار وسلام. وفيما نجدد لكم جميعا تهانينا بالفصح المجيد، نسأل الله أن يفيض عليكم وعلى أبرشياتكم ورعاياكم ورهبانياتكم ومؤسساتكم، ثمار الفداء وأنوار القيامة”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


Please Fill Out The TW Feeds Slider Configuration First
error: Content is protected !!