في النصاب الخاص لانعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية دراسة دستورية بقلم المحامي د. وسام صعب

المحامي د. وسام صعب

 

في ظل ما يطرح من تساؤلات في هذا الصدد عن النصاب القانوني المطلوب لانعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، أهو أكثرية الثلثين المطلوب لانتخابه في الدورة الأولى، أم الأكثرية المطلقة الكافية لانتخابه في دورات الإقتراع التي تلي ؟

لقد أثير وفي أكثر من مناسبة جدل دستوري حول النصاب القانوني المطلوب لانعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وبالرغم من أن الممارسة استقرت على اعتماد أكثرية الثلثين لتأمين النصاب، إلا أنه وبحسب آراء بعض الفقهاء الدستوريين، وبسبب غياب نص خاص حول النصاب في معرض انتخاب الرئيس، فإن النصاب بالأكثرية المطلقة هو الأقرب إلى التفسير القانوني السليم للنص الدستوري بحسب هؤلاء بما يضمن تأمين انتخاب رئيس الجمهورية.

ويقول أصحاب هذا الرأي أنه في انتخابات عام 1970، وأمام تهديد المعارضة الجاد بمقاطعة جلسة انتخاب رئيس الجمهورية أعلن الرئيس صبري حمادة أنه سيدعو إلى الجلسة ويعتبر أن النصاب مؤمن حكماً بمجرد حضور الأكثرية المطلقة من النواب، على أن لا يعتبر فائزاً إلا من ينال الأكثرية المطلقة في دورة الإقتراع الثانية  .

ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول “بأن النصاب المطلوب لجلسة الإنتخاب ليس ثلثا أعضاء المجلس كما يتبادر إلى الذهن عند تلاوة النص، بحيث أن كلمة “غالبية” الواردة في هذه المادة لا تتعلق بعدد الذين يقترعون فعلاً في الجلسة، ويكفي ليكون الإجتماع قانونياً أن يضم نصاب الجلسات العادية المنصوص عليه في المادة /34/ من الدستور، أي الغالبية المطلقة من مجموع أعضاء النواب. والدليل على ذلك، هو أن الدستور، عندما يتطلب لموضوع ما نصاباً غير النصاب العادي ينص عليه بشكل صريح لا يدع مجالاً لأي شك أو تأويل”.

وهذا التفسير هو الذي يؤمن برأي هؤلاء التطبيق السليم للدستور واستمرارية عمل المؤسسات الدستورية، ذلك أنه باعتماد أكثرية الثلثين فإننا نعطي الأقلية الحق بتعطيل جلسة انتخابات الرئاسة بمجرد عدم حضورها إلى المجلس في الجلسة المخصصة للإنتخاب.

إلا أنه بالمقابل، هناك وجهة دستورية أخرى مغايرة تماماً لما ذكره بعض الفقهاء في هذا الإطار، وهي الأقرب برأينا إلى التفسير العلمي الصحيح بحيث ينطلق أصحاب هذا الرأي من قاعدة مفادها أن الغاية من القانون إنما هي خدمة المجتمع وتذليل متناقضاته عن طريق استنباط تفسير علمي للأحكام القانونية، بحيث يتوخى المجتهد في اعتمادها، أحقاق الحق وتحكيم العدل والوجدان في إطار المصلحة العامة العليا للدولة.

ويقول أصحاب هذا الرأي أنه لتفسير المادة /49/ من الدستور على ضوء تلك القواعد فإنه ينبغي بادئ ذي بدء التذكير بما نصت عليه المادة /75/ من الدستور نفسه من “أن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة إنتخابية لا هيئة إشتراعية…”

وهذا النص وحده كاف برأي هؤلاء لإزاحة أحكام المادة /34/ من الدستور عن التطبيق في مجال المادة /49/، باعتبار أن المادة /34/ مرتبطة بقيام المجلس بوظيفته التشريعية فقط، في حين أن المادة /49/ ترسم له كيفية توليه وظيفته الإضافية، وهي انتخاب رئيس الجمهورية المستقلة، دستورياً وقانونياً ومنطقياً عن وظيفته التشريعية.

هذا وقد فرضت المادة /49/ صراحة أكثرية خاصة في مجلس النواب بحيث تكون الأغلبية المفروضة للدورة الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية، الثلثين من هذه الأكثرية أي من عدد أعضاء مجلس النواب.

وقد أشار النص بعد ذلك إلى أنه يُكتفى بالأغلبية المطلقة في دورات الإقتراع التي تلي. ولا بد هنا من تطبيق ذات الحكم قياساً واعتبار الأكثرية في الدورات التي تلي مؤلفة من مجلس النواب أيضاً، لأن المنطق لا يستسيغ الإختلاف في القاعدة العائدة لحالة دستورية متعاقبة، بقيت واحدة في جوهرها.

وبعد، فهل من المنطق الدستوري، بل من المصلحة الوطنية، أن يأتي رئيس الجمهورية منتخباً بنتيجة إقتراع جار على أساس النصاب العادي، لا شك بأنه سيكون معبراً عن إرادة نفر من النواب، وممثلاً بالتالي لأقلية من الشعب.

وأكثر من ذلك فهل أن الإعتبارات السياسية والطائفية تسمح أصلاً في ظل مجلس نيابي طائفي، أو لطائفة معينة، بالتفرد باختيار رئيس الجمهورية، هذا مع العلم أن أبسط القرارات السياسية في لبنان تتخذ بالإجماع والتوافق السياسي، فكيف الحال في عملية انتخاب رئيس الجمهورية!!!

فالإجماع السياسي والميثاقية في لبنان يعتبران حجز الزاوية للبناء، بحيث يفترض أن يعي جميع الأفرقاء السياسيين بأن هذا البلد لا يمكن أن يحكم أو تتخذ فيه القرارات لاسيما المصيرية منها إلا بتفاهم جميع مكوناته وعناصره وطوائفه وحتى إشعار آخر، ذلك كي تكون الحياة السياسية مستقيمة فيه وبعيدة عن أية تشنجات بما يعيق عمل الدولة ومؤسساتها.

ومن هنا القول بأن عملية إنتخاب رئيس الجمهورية هي من العمليات الأساسية في حياة لبنان، لأن الدستور قد أراد أن يكون رئيس الجمهورية رئيساً للدولة وليس لفئة معينة من الناس، وبنزعه عنه كل مسؤولية برلمانية، قد رفعه إلى مصاف الحكم الأعلى، لتوحيد كلمة الوطن بين عناصره وأحزابه كافة.

ولأنه شعر بدقة ورهبة هذه اللحظة التي يتم فيها اختيار الرئيس الأعلى، فإن الدستور قد أحاط هذه المهمة بسياج من التدابير كتحويل المجلس النيابي إلى هيئة إنتخابية، خصيصاً لهذه الغاية (المادة 75) مع وجوب الشروع حالاُ في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أو أي عمل آخر (المادة نفسها).

ومن هنا فإن ما ذهب إليه دولة الرئيس نبيه بري بقوله: “ان التعجيل في انتخاب الرئيس ضروري، لكنه لا يعني أن نهدم البيان الدستوري بمحاولة فرض أعراف جديدة تخضع انعقاد جلسات الرئيس لنصاب النصف زائد واحد” هو المنطق الدستوري بعينه، وهو المشرع وصاحب الخبرة الطويلة في التشريع وهو الذي يعلم تماماً خطورة النصاب بالنصف زائد واحد لانتخاب الرئيس والذي من شأنه أن يشكل سابقة خطيرة في الحياة الدستورية والتي من شأنها أن تنسف أعرافاً دستورية جرى اعتمادها منذ زمن طويل وأصبحت بحكم القاعدة الدستورية الثابتة وذلك حفاظاً على الميثاقية بالدرجة الأولى، ولكي يأتي الرئيس المنتخب معبراً عن إرادة الغالبية العظمى من النواب والشعب اللبناني.

المحامي د. وسام صعب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


Please Fill Out The TW Feeds Slider Configuration First
error: Content is protected !!