ابراهيم من طرابلس: الأمن هو شرط البناء الاقتصادي

أكد المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم خلال الحفل الذي تنظمه غرفة التجارة والصناعة في الشمال بعنوان: “دور الأمن العام في حماية الاقتصاد الوطني”، أننا “مسؤولون لتوفير الأمن الصلب الذي يحمي لبنان، لأننا نعتبر أن الأمن هو شرط البناء الاقتصادي”، مشيراً الى أن “الشمال غالباً ما عانى ضيق ذات الحال بسبب الاهمال والسياسات المجحفة، وأحياناً جراء الأمن الذي كان يتأرجح بسبب الظروف التي نعلم وتعرفون”، لافتاً الى أن “القلب على الشمال، فإن القلب مع الشمال ومع كل حبّة تراب في لبنان من جهاته الأربع”.

وجاء في الكلمة:

“الحضور الكريم

مفارقة غريبة تنضم الى المفارقات اللبنانية العديدة، وهي انه في علم التنمية والاقتصاد يتسم الشمال عادة بالغنى، إلاّ أن شمالنا الغالي: طرابلس الفيحاء والمنية التي تفرد جناحيها على البحر، وعكار العطاء الذي لا ينضب، وما فيها من قرى وادعة حباً وعطاء وتسامحاً، غالباً ما عانت ضيق ذات الحال حينا بسبب الاهمال والسياسات المجحفة، وأحياناً جراء الأمن الذي كان يتأرجح بسبب الظروف التي نعلم وتعرفون.

وإذ يسرّني جداً الحضور بينكم، إلاّ أن عنوان لقائنا هذا فتح أفقاً واسعاً، يتطلب مسؤولية مشتركة تنقسم على طرفينا من موقع التفاعل والتعاون لا من موقع التباين. فالسؤال ـ العنوان: “أي دور للأمن العام في حماية الاقتصاد الوطني”، ينطوي على مسؤولية عالية لسببين اساسيين:

– الاول يكمن في دور الأمن العام بالمزاوجة الخلاقة بين الأمن، باعتباره نقطة تقاطع، وبين كل مكوّنات الدولة. إذ من دونه لا دولة ولا مجتمع.

– السبب الآخر هو ان راهن الاقتصاد الوطني ومستقبله هما في يد القائمين عليه وما يقترحونه لحماية هذا القطاع البالغ الأهمية والحساسية، فلا دولة من دون اقتصاد، ولا اقتصاد قوي وازدهار من دون دولة مستقرة.

هذه الخلاصة لأهمية الاقتصاد في بناء الدولة والامن في حمايتها، هي أول ما وصل اليه اللبنانيون عند كل تداع او اهتزاز أمني، وكلما كان لبنان يقع على خط التوترات، كلما تقدم الأمن على السياسة التي كثيراً ما توارت وستتوارى ايضاً وايضاً اذا استمرت المعطيات والاوضاع على ما هي عليه. ومن موقعي أحذّر من ان الاستثمار او الرهان على اي حدث امني، عارض او غير عارض، لتعزيز رأي على آخر، سيبقي الجمهورية على فوهة التشنج، ويرمي بها بعيداً عن العقلانية في معالجة القضايا الملحة التي تحولت أزمات تهدّد الدولة في أمنها واقتصادها وكل القطاعات من دون استثناء.

الحضور الكريم،

منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مروراً بعدوان تموز 2006، وصولاً إلى اندلاع الحرب في سوريا، والأحداث الأمنية تطغى على ما عداها، لاسيما ان المعطيات تشير إلى أن هذه الوقائع سوف تطغى بظلالها الكثيفة على الاقتصاد الوطني، ليقفز مجدداً السؤال عن دور الأمن في حماية هذا القطاع الذي يشمل ـ ومن دون مبالغة ـ كل القطاعات من صناعة وزراعة وسياحة وتجارة وحتى اليد العاملة الوطنية والاجنبية. ولهذا فإن الأمن العام يضع في سلّم اولوياته، الى جانب الهمّ الامني، الأمن الاقتصادي كنقطة ارتكاز لثبات لبنان في وجه الأحداث والتطورات على اختلاف مصادرها، التي قد تهدد لقمة عيش المواطنين او تعيق مصالح الدولة العليا.

ايها الحفل الكريم

إن العولمة الإقتصادية أفرزت عوامل شرعية وغير شرعية ساهمت في تهديد الأمن الاقتصادي، وهي لا تقتصر على اولوية الاخطار المتأتية من التلاعب الاقتصادي بين الدول المتنافسة، كإستخدام التقلّبات في أسعار الصرف وتطبيق سياسة القوّة الناعمة، او العصا والجزرة في تقديم المساعدات وفرض العقوبات، بل تجاوزتها لتركّز على الربط بين العولمة والأمن الإقتصادي بطريقتين:

– الطريقة الأولى تلقي الضوء على دور الشبكات غير الحكومية في تقويض سلطة الدولة، عن طريق التبادلات غير المشروعة العابرة للحدود والمعاملات الجرمية، وفي طليعتها عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، حيث يقدّر حجم عمليات تبييض الأموال سنويا على مستوى العالم بمئات مليارات الدولارات.

– اما الطريقة الثانية فتُعنى بالتشريعات ومدى ملاءمتها لحجم الحركة الاقتصادية ومرونتها بإزاء الاقتصادات العالمية.

اذا، فإن حماية الاقتصاد الوطني تتطلّب تضافر وتكامل الجهود المؤسساتية على مستويين:

– الأول يتعلق بالأمن العام وبالتنسيق مع السلطة القضائية لمواجهة كل من يحاول زعزعة الاستقرار في البلاد ومن خلاله الاقتصاد الوطني، وذلك ضمن ما حددته القوانين والانظمة والصلاحيات.

– اما المستوى الثاني فجوهره عند اصحاب الاختصاص ودورهم في التنبيه الى الواقع الاقتصادي بشكل عام: نسبة البطالة والعمالة الاجنبية المنافسة، القطاعات الانتاجية والخدماتية المتعثرة، وتراجع المستوى المعيشي، وانحسار الطبقة الوسطى كضابط ايقاع يمنع الاهتزازات الاجتماعية، وتقديم الاقتراحات المناسبة للسلطات المعنية.

من هنا تبرز ضرورة تكييف الطموحات الاقتصادية وحمايتها بما يتلاءم والوقائع، وذلك عبر مجلسي النواب والوزراء والهيئات الاقتصادية والمهنية والنقابات العمالية، كمهمة ضرورية ليتمكن عندها الامن من حماية الإقتصاد الوطني.

أيها الحضور

يواجه لبنان مخاطر تُهدّد أمنه الوطني ومن أهمها تدهور الوضع الاقتصادي، ارتفاع معدلات الافلاس والامتناع عن سداد الديون، الإرهاب والجرائم المالية، وغيرها الكثير من مشاكل صارت معضلات. وهذا ما يتطلب التحرك سريعاً لتحديد هذه المخاطر وايجاد الحلول لها، فلا الخطابات تبني أوطاناً، ولا المزايدات الشعبوية تحمي اقتصاداً وتثبّت أمنا. وأول ما يجب العمل عليه هو تحفيز عودة الإستثمارات الوطنية والأجنبية، من دون اغفال مخاطر اخرى كاليد العاملة غير اللبنانية، والفساد الذي يُعتبر مسؤولا اساسيا عن ضيق عيش اللبنانيين.

ايها الحضور

في الأمن، نحن والمؤسسة العسكرية الأم ـ الجيش ـ وقوى الامن الداخلي وأمن الدولة، مسؤولون أمامكم لتوفير الأمن الصلب الذي يحمي لبنان، لأننا نعتبر ان الأمن هو شرط البناء الاقتصادي، والاقتصاد القوي يوفر استقرارا امنيا، والمديرية العامة للأمن العام تملك الكفاءة والجهوزية لتقديم الاقتراحات لحماية الاقتصاد الوطني في شتى المجالات ووفقا للقوانين.

في الختام، أهنىء واشكر رئيس واعضاء غرفة التجارة والصناعة في الشمال العزيز، شمال التعايش الوطني ورافد القوى الامنية الشرعية، على هذه الدعوة، والجرأة في طرح هذا العنوان المهم، مع التمني ان تترجم هواجسكم عملا ومبادرات واقتراحات. واذا كان القلب على الشمال، فإن القلب مع الشمال ومع كل حبّة تراب في لبنان من جهاته الأربع.

شكرا لكم، عشتم وعاش لبنان حرا مزدهرا بإرادات من يؤمنون بأن الاوطان لا تُعوّض ولا يُقايض بها”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


Please Fill Out The TW Feeds Slider Configuration First
error: Content is protected !!